الفصل الرابع والثلاثون: الاستمرار
لم يكن ياسين من أولئك الذين يتوقفون طويلًا عند ما يؤلمهم.
الثقل كان حاضرًا، نعم، لكنه لم يسمح له أن يشلّ الحركة. كان يؤمن أن ما لم يُعالج بالقلب، يُعالج بالفعل، وأن التراجع لا يُخفف الخسارة بل يضاعفها.
في صباح ذلك اليوم، وصل إلى المحل أبكر من الجميع.
فتح المكتب، راجع بعض الملفات القديمة، ثم كتب رسالة قصيرة دعا فيها حمزة وسعيد وكريم إلى اجتماع في المساء. لم يذكر السبب، ولم يترك مجالًا للتأويل.
حين اجتمعوا، كان الجو هادئًا. لا توتر، ولا مقدمات طويلة.
جلس ياسين في صدر الطاولة، نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم قال: — ما وصلنا إليه اليوم لم يكن صدفة. — تعبنا، أخطأنا، وتعلّمنا. — لكن البقاء في هذا الحجم… هو التراجع بعينه.
تبادلوا النظرات، دون مقاطعة.
أكمل: — السوق يتغير. — المدن الكبرى لم تعد تكتفي بالأسماء القديمة. — لدينا ما يكفي من الثقة، والتنظيم، والسمعة… لنخرج من هذا الإطار.
فتح ملفًا أمامه، أخرج خرائط وأرقامًا. — خطتي بسيطة في جوهرها، لكنها كبيرة في أثرها. — نبدأ بفتح متاجر جديدة في المدن الكبرى. — نفس النموذج، نفس القيم، نفس الانضباط. — لا توسع عشوائي، ولا شراكات متسرعة.
قال حمزة: — هذا يتطلب رأس مال كبيرًا، وإدارة مضاعفة.
أجاب ياسين دون تردد: — أعلم. — ولهذا دعوتكم. — لن نكبر بالسرعة، بل بالثبات.
تدخل سعيد: — وإن نجحت الخطوة؟
قال ياسين بهدوء: — لن نكون مجرد تجار. — سنكون مرجعًا. — حينها، لن يُنظر إلينا كمحل… بل كمنظومة.
ساد الصمت لحظة.
لم يكن كلامه انفعاليًا، ولا متهورًا. كان محسوبًا، كأنه نتيجة قرار طويل لا وليد لحظة.
قال كريم أخيرًا: — إن دخلنا المدن الكبرى، ستُسلّط الأضواء علينا أكثر. — الرقابة ستكون أشد.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة: — من يعمل بوضوح، لا يخشى الضوء. — بل يحتاجه.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد يفكر في العاطفة التي يحملها ياسين داخله. لم يتحدث عنها، ولم يلمّح لها. لكنه كان واضحًا أن الرجل الذي أمامهم لم يعد يعمل فقط ليبني مشروعًا، بل ليحمي معنى ما اختاره لنفسه.
أنهى الاجتماع بقوله: — ما بدأناه، لن نتركه ناقصًا. — ومن أراد أن يستمر، فليستعد لمرحلة مختلفة.
خرجوا واحدًا تلو الآخر.
بقي ياسين وحده في المكتب لحظة قصيرة. نظر إلى الأوراق أمامه، ثم أغلق الملف بعزم.
كان يعلم أن الطريق القادم سيجعله في مرمى الأنظار، وأن اسمه لن يبقى محصورًا في السوق المحلي. لكنه كان مستعدًا.
ليس لأنه خالٍ من الألم… بل لأنه تعلّم أن ينهض رغم ثقله.