الفصل 33: ما بعد القرار
لم يتغير شيء في الظاهر.
المحل يفتح في موعده، العمال يؤدون أعمالهم، والزبائن يدخلون ويخرجون كما اعتادوا. السوق لا ينتظر أحدًا، ولا يكترث لما يدور داخل النفوس.
لكن داخل ياسين، لم يكن كل شيء على حاله.
منذ حديثه مع أمه، شعر أن أمرًا ما قد أُغلق. لم يكن حوارًا يمكن الرجوع إليه، ولا قرارًا مؤقتًا. كان يعرف تلك النبرة جيدًا؛ نبرة الخوف حين يتخذ شكل الحزم، ونبرة الأم حين تختار بدلًا عن ابنها لأنها تعتقد أن الاختيار سيحميه.
لم يحاول الجدال مرة أخرى.
لم يكن اقتناعًا، بل إدراكًا بأن الكلام في تلك اللحظة لن يغير شيئًا.
صار يعود إلى البيت أبكر من المعتاد. يجلس معها قليل الكلام، يستمع أكثر مما يتحدث، ويجيب حين يُسأل دون توسّع. لم يعد يسهر طويلًا، ولم يعد يملأ الوقت بالعمل كما كان يفعل سابقًا، كأن داخله فقد شيئًا من اندفاعه.
ذات مساء، قالت له أمه وهي ترتب المائدة: — سأطلب من خالتك أن تسأل عن فتاة مناسبة. — من عائلة نعرفها.
رفع رأسه، نظر إليها لحظة، ثم قال: — كما ترين مناسبًا.
لم يكن ذلك قبولًا حقيقيًا، لكنه لم يكن رفضًا أيضًا. كان أشبه بتنازل صامت.
في العمل، لاحظ حمزة التغير. قال له وهو يقلب دفاتر الحساب: — تبدو مرهقًا هذه الأيام.
أجاب ياسين بهدوء: — مجرد تعب. سيزول.
لكنه كان يعلم أن التعب ليس جسديًا. كان تعبًا من نوع آخر، لا يزول بالنوم ولا بالراحة.
أما كريم، فلاحظ الصمت دون أن يعلّق. رأى أن ياسين صار أكثر اختصارًا في كلامه، وأقل حدة في قراراته، كأنه ينفذ الأمور بدافع الواجب لا بدافع الرغبة. لكنه لم يسأله. كان قد تعلّم أن بعض الصمت احترام، لا إهمال.
في أحد الأيام، ذُكر اسم سلمى عرضًا أثناء حديث عابر بين العمال. لم يكن المقصود شيئًا، لكن الاسم وحده كان كافيًا ليجعل ياسين يتوقف لحظة. ثم تابع عمله دون أن يرفع رأسه.
في تلك الليلة، خرج وحده. سار في الشوارع بلا هدف واضح. لم يبحث عنها، ولم يحاول الهرب من الفكرة. كان فقط يحاول أن يتقبّل أن بعض العلاقات لا تُحسم بالخلاف، بل تُنهيها الظروف.
قال في نفسه: "ربما الحب لا يكفي دائمًا. وربما الاستمرار أحيانًا يكون أصعب من الرحيل."
عاد إلى البيت متأخرًا. وجد أمه ما زالت مستيقظة. قالت له: — سأبدأ السؤال الأسبوع القادم.
أومأ برأسه، ثم قال: — افعلي ما ترينه خيرًا.
دخل غرفته، وجلس طويلًا دون أن يفعل شيئًا. كان يعرف أن ما ينتظره ليس سهلًا، لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لمقاومة قرار اتُخذ بدافع الخوف عليه.
وفي مكان آخر، كانت سلمى تسمع بما حدث. لم تحاول الاتصال، ولم تبحث عن تفسير. فهمت أن المسافة لم تعد مجرد تردد، بل أصبحت واقعًا.
أما ياسين، فكان يدرك أن ما خسره في هذا القرار ليس صخبًا ولا مواجهة… بل شيئًا أهدأ، وأثقل، وأصعب في التعويض.