الفصل الحادي والثلاثون: مسافة
لم تكن سلمى تنوي اللقاء، لكنها وجدت نفسها أمام المحل دون تفكير طويل.
ترددت قليلًا قبل أن تقترب.
كان ياسين واقفًا خارجًا، ينظر إلى الشارع كعادته، وكأن ذهنه في مكان آخر.
حين رآها، لم يُظهر دهشة، فقط تغيّر وجهه قليلًا.
قالت بهدوء:
— كنت متأكدة أني سأجدك هنا.
أومأ دون أن يبتسم.
سألها:
— كيف حالك؟
أجابت بعد لحظة:
— كما أنا… لا جديد.
ساد صمت قصير.
لم يكن صمتًا مريحًا، بل ذلك النوع الذي يفرض نفسه حين تكون الكلمات خطرة.
قالت:
— لم آتِ لأُربكك.
— فقط… أردت أن أراك.
نظر إليها أخيرًا.
كان يعرف ما تعنيه، ويعرف في الوقت نفسه أنه لا يملك جوابًا.
قال:
— وجودك هنا بحد ذاته إرباك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بلا فرح:
— أعلم.
سألته:
— هل ندمتَ؟
هزّ رأسه:
— الندم يكون على الخطأ.
— وأنا لا أرى خطأً فيما نشعر به.
قالت:
— لكنك ترى نهاية.
لم يُنكر.
قال بصوت منخفض:
— بعض الأمور لا تنتهي لأنها سيئة…
— بل لأنها لا تستطيع الاستمرار.
في تلك اللحظة، مرت أمّه غير بعيد.
لم تتوقف، لكنها لاحظت وقفته، ونظراته، ووجود الفتاة إلى جانبه.
لم تسمع شيئًا، ولم تعرف من تكون،
لكن شيئًا في داخلها انقبض.
واصلت طريقها،
غير أن الصورة بقيت معها.
بعد انصراف سلمى، قالَت له بهدوء حين عاد إلى البيت:
— رأيتك اليوم مع فتاة.
تجمد قليلًا، ثم قال:
— نعم.
سألته دون ضغط:
— من هي؟
أجاب:
— معرفة… لا أكثر.
لم تُعلّق.
لكنها في اليوم التالي سألت أحدهم أن يتحرى عنها.
لا بدافع الفضول،
بل بدافع القرار.
في نظرها،
إن كان ابنها قد تعلّق،
فالحلال أولى من التعلّق.
أما سلمى،
فحين ابتعدت عن المحل، كانت متأكدة أن اللقاء لن يتكرر.
ليس لأن الحب انتهى،
بل لأن الواقع قال كلمته.
وبقيت المسافة.
قصيرة في الشكل،
بعيدة في المعنى.