الفصل الثلاثون: أوراق
كان المساء قد استقرّ على المكان حين دخل كريم.
لم يطرق الباب هذه المرة. دفعه بهدوء، كما يفعل من صار يعرف الطريق جيدًا.
وجد ياسين جالسًا وحده.
الضوء خافت، والدفاتر مفتوحة أمامه، لكن عينيه لم تكونا فيهما. كان كمن ينتظر شيئًا، أو كمن يعرف أن شيئًا سيأتي.
جلس كريم قبالته، ووضع الحقيبة على الأرض.
لم يتكلم فورًا.
فتحها ببطء، وأخرج ملفًا سميكًا. وضعه على الطاولة، ثم دفعه قليلًا نحو ياسين.
قال: — هذا ما كنتُ أجمعه.
لم يسأل ياسين عمّا فيه. مدّ يده، فتح الملف، وبدأ يقلب الصفحات دون استعجال.
كانت الأوراق مرتبة، واضحة، لا تحتاج إلى شرح طويل. أسماء، أرقام، توقيعات، مسارات مال تعرف طريقها جيدًا.
دخل حمزة وسعيد بعد قليل.
توقفا حين رأيا الملف مفتوحًا.
قال حمزة: — ما هذا؟
أجاب كريم: — أدلة.
ثم أضاف، وكأنه يقول أمرًا عاديًا: — تكفي لإدخال الحاج مصطفى ومعاونيه السجن.
ساد صمت قصير.
صمت يشبه الوقوف على حافة شيء كبير.
قال سعيد بهدوء: — إن خرجت هذه… سيتغير كل شيء.
رفع حمزة رأسه: — بل سينتهي كل شيء بالنسبة له.
كان ياسين لا يزال يقلب الصفحات.
لم يظهر على وجهه شيء.
بعد لحظة، أغلق الملف.
حمله بيده، ونهض.
اتجه نحو الموقد الصغير في آخر الغرفة.
أشعل النار.
قال حمزة فجأة: — ياسين؟
لم يلتفت.
فتح الملف… وبدأ يضع الأوراق في النار، ورقةً ورقة.
لم يتعجل، ولم يتردد.
قال كريم بصوت خافت: — هذه كانت خطتي…
— ثم توقفت.
— لأنها لم تعد تشبهك.
توقفت يد ياسين لحظة، ثم أكمل.
قال دون أن ينظر: — لو خرجت هذه الأوراق، سيدخلون السجن.
— لكن السوق سيتصدع.
— وأناس لا علاقة لهم سيدفعون الثمن.
احترقت الأسماء.
وتلاشت التوقيعات.
قال سعيد: — كان بإمكانك أن تنهي الأمر الآن.
أجاب ياسين: — لم أبدأه لأُنهيه بهذه الطريقة.
انتهت آخر ورقة.
أطفأ النار.
وقف الثلاثة صامتين.
نظر ياسين إلى كريم: — المهم أنك لم تكمل الطريق الخطأ.
— هذا وحده كافٍ.
لم يرد كريم.
لكنه شعر لأول مرة منذ زمن أنه لم يعد مضطرًا للهروب من نفسه.
في الخارج، كانت المدينة تمضي كعادتها.
لم يعرف أحد أن شيئًا خطيرًا احترق تلك الليلة.
ولا أن اختيارًا صامتًا أعاد ترتيب موازين كثيرة… دون ضجيج.
أما الضغط،
فلم يختفِ.