انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الرابع - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

صحيت رزان وهي حاسة بجمود غريب في قلبها، كأنها "فلترة" مشاعرها وطلعت منها كل حاجة تضعفها. كانت بتردد في سرها طول ما هي بتلبس: "من النهاردة مفيش حد أهم من رزان.. مستقبلي هو الأولوية، والحب اللي بيجوع صاحبه ملوش مكان." اتفقت مع مراد يفطروا سوا، واختارت مطعم "عادي" وبعيد عن الحي، عشان هي عارفة ميزانية مراد كويس، وعارفة إنه أكيد مش هيتحمل يدفع في مكان غالي. استغربت جداً لما بعتتله ووافق فوراً، حتى هي اللي حددت الساعة ومناقشهاش، رغم إنه دايماً بيتحجج بضيق الوقت والبرنامج اللي واكل عقله. لبست لبس عادي جداً وراحت. أول ما دخلت، لمحته قاعد.. رفع إيده يلوح لها بابتسامة واسعة جداً، ابتسامة كانت النهاردة فيها "حنية" زيادة عن اللزوم، كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. رزان كانت بتجبر نفسها متشوفش الضحكة دي، ولا تتأثر بنظرة عينيه اللي بتلمع. كانت خايفة تضعف، خايفة "الحصن" اللي بنته حوالين قلبها يتهد قدام حنانه المعتاد. مراد رحب بيها بحماس "أهلاً يا رزان.. نورتي والله." قعدت رزان وهي محاطة بهالة من البرود القاتل، مكنتش بتبادله الضحك. مراد فضل باصص لها بكل حب وقال أول كلمة "وحشتيني.. وحشتيني بجد." كان باين عليه السعادة الصافية، كأنه طفل لقى لعبته الضايعة. رزان مسكت كوباية المية وشربتها دفعة واحدة عشان تداري توترها. مراد نادى النادل، وحط المنيو قدامهم. رزان، من غير ما تفكر، عينيها راحت على أرخص صنف في القائمة واختارته بعشوائية، رغم إن مراد كان باين عليه إنه ناوي "يعزمها بجد" المرة دي ومجهز نفسه، بس هي أصرت وقالت "لا، أنا بحب الطلب ده ومخي فيه." بدأوا ياكلوا، ومراد بدأ يفتح كلام "ها.. قوليلي، الجامعة عاملة إيه؟ والدنيا معاكي ماشية إزاي؟" رزان كانت بترد بكلمات مقتضبة "تمام.. ماشية.. الحمد لله." كانت عايزة تدخل في الموضوع "الدبش" اللي جاية عشانه، بس مش عارفة تبدأ منين، خصوصاً وهو بيبص لها بتأمل وهو بيلعب بالشوكة في طبقه. فجأة، مراد قطع اللحمة من طبقه وحطها في طبقها بمنتهى الرقة وبابتسامة حنونة وقاله "كلي دي.. هتحبيها." في اللحظة دي، رزان حست بغصة في حلقها كأنها شوك.. قلبها وجعها بجد. الحنية دي هي اللي كانت بتدوبها زمان، بس دلوقتي بقت "عبء" عليها. سابت الشوكة من إيدها، وبصت له بجمود مبالغ فيه وقالت بصوت جدي جداً "مراد.. في موضوع لازم أتكلم معاك فيه، وموضوع مهم جداً." مراد استغرب نبرة صوتها، حط الشوكة هو كمان، وسند ضهره لورا وركز معاها بكل جوارحه وقال لها بمنتهى الهدوء والتضحية "أنا معاكي يا حبيبي.. قولي اللي إنتي عايزاه. أنا النهاردة ملكك طول اليوم، وهسمعك للآخر، وأي حاجة تطلبيها أو تقوليها هعملها لك فوراً.. إنتي بس قولي." رزان بلعت ريقها بصعوبة، والكلمات كانت واقفة على طرف لسانها زي السكين، وهي بتفكر: "يا ترى هتقدر تكسر القلب اللي فاتح لك دراعاته ده؟" _____ أخدت رزان نفس عميق، صدرها بيعلو ويهبط بصعوبة، ومكنتش قادرة ترفع عينها فيه. أما مراد، فكان باصص لها بهدوء غريب، مستنيها تتكلم براحتها، وقلبه ميعرفش إن اللي هي هتقوله دلوقتي هيكون السكينة اللي هتذبح قلبه رفعت عينيها وبصت له.. عينيها اللي زمان كانت بتبص له بخجل، واللي بعد كدة بقت تلمع بالحب، والمرة اللي فاتت كانت مليانة احتياج.. النهاردة كانت بتبص له ببرود غريب، ممزوج بحزن ومشاعر تانية مش مفهومة. نطقت الجملة اللي خلته يعتدل في قعدته مرة واحدة، كأنه اتكهرب "مراد.. أنا عايزة ننهي اللي بينا.. إحنا لازم نسيب بعض." مراد كرر الجملة وراها بذهول، كأنه بيسمع لغة غريبة "نسيب بعض؟ " وكمل "نسيب إيه يا رزان؟ ده مقلب صح؟ إنتي أكيد بتهزري عشان تعاقبيني على غيابي الفترة اللي فاتت.. أنا بوعدك، والله ما هغيب عنك ثانية واحدة تاني، وأنا أصلاً.." قاطعته رزان وهي بتحط النقط على الحروف بقسوة "لا يا مراد، مبهزرش.. العلاقة دي مابقتش تناسبني، ولا بقت تساعدني في حياتي." عقد مراد حواجبه وبدأ الضيق يظهر على وشه وقال بصوت واطي ومخنوك "يعني إيه مابتساعدكيش؟ " ردت ببرود مرتبك "أنا مش عايزة أتكلم أكتر، ومش عايزة أجرحك." ضحك مراد بسخرية مريرة "تجرحيني؟ إنتي فاكرة إنك لسه سايبة فيا حتة سليمة بعد اللي قولتيه؟ إنتي بتموتيني بطلبك ده يا رزان!" رزان كانت عايزة تخلص، عايزة تقوم وتمشي وتنهي الفيلم ده من غير شرح، بس مراد ضغط عليها، فانفجرت فيه بعصبية "خلاص يا مراد! مابقتش مرتاحة! مش قادرة أكمل وأنا مش شايفة بكره، مش قادرة أعيش على أعصابي أكمل ولا مكملش.. كفاية بقى!" و قامت من على الطاولة وسابته ومشت، مراد فضل قاعد مكانه ثواني مش مستوعب، ولما فاق، رمى الفلوس للنادل وحاسب بسرعة وطلع جري وراها. لمحها وهي ماشية بسرعة الصاروخ كأنها بتهرب من جريمة، جري وراها ومسك دراعها ولفها ليه بقوة وصرامة لأول مرة "وقفي هنا! مفيش حاجة اسمها نمشي كدة وخلاص! إنتي مش بترمى كلمة وتمشي، لازم تفهميني في إيه!" رزان حاولت تفك دراعها وهي بتزعق "أنا مش مضطرة أشرح حاجة!" رد بسخرية لاذعة "لا يا قلبي مضطرة! تلات سنين من عمري مش هيترموا في الزبالة بكلمتين في مطعم!" صرخت فيه وهي بتنهج "أنا عايزة أنفصل! مش عايزة أكمل معاك! إيه اللي مش مفهوم؟" غمض مراد عينيه وفتحهم وهو بيحاول ياخد نفس عميق عشان ميفقدش أعصابه، رزان بصت حواليها ولقت الناس بدأت تتفرج، فقالت بوشوشة وعصبية "سيب دراعي، الناس بتتفرج علينا، ده عيب في حقي وفي حق أهلي!" اتنهد مراد بتعب وساب دراعها وقال لها "تعالي معايا الحديقة اللي قدامنا دي، لازم نتكلم.. ولازم دلوقتي." مشت وراه على مضض، قعدت على دكة وهي بتهز رجلها بتوتر، وهو وقف قدامها، يحاول يحافظ على هدوئه اللي بدأ ينهار، وسألها بنبرة حنينة بس مهزوزة "إيه اللي حصل يا رزان؟ ليه القرار ده فجأة؟ أنا عملت إيه لكل ده؟" رزان سكتت وبصت في الأرض، فدار مراد حول نفسه بعصبية وصاح فيها "اتكلمي! خليكي ناضجة مرة واحدة في حياتك وواجهيني! قولي الحقيقة!" هنا رزان وقفت وانفجرت بكل السواد اللي جواها "عايز تعرف الحقيقة؟ ماشي يا مراد هقولك! أنا تعبت من فقرك! تعبت من الوعود اللي مابتخلصش! بقالنا تلات سنين وإنت لسه بتقول 'هانت'، وإنت لسه في شقة مع صحابك بتعمل برنامج سخيف ملوش لزمة! أنا صحباتي اللي اتخطبت لدكتور واللي جابت عربية، وأنا لسه بركب أتوبيسات وبشتغل بياعة في محل في الحي وبتحاسب على لقمة العيش مع خالي!" مراد كان بيبص لها بذهول، فكملت بقسوة أكبر "أنا استنيت كتير، ولو فضلت معاك هستنى سنين تانية.. أنا من حقي أعيش! من حقي ألبس وأخرج وأروح مطاعم زي الناس! أنا وحشة عشان عايزة حياة كريمة؟ أنا مش عايزة ينتهي بيا الحال زي أمي، عايشة عالة على الناس وبيت مش ملكها!" مراد استنكر كلامها وقال بوجع "يعني إنتي بتسيبيني عشان معيش فلوس؟ عشان عايزة حد جاهز يشتريكي؟ حبنا ده كله كان كلام أونطة؟" رزان حاولت تبرر "مش بس الفلوس، إنت بقيت مهمل! مبقتش بتسأل ولا بتهتم، طول وقتك مع البرنامج بتاعك وناسي إن فيه بني آدمة مستنية كلمة منك!" ضحك مراد سخرية مريرة "برضه بتغلفي الموضوع! قولي إنك لقيتي "بيعة" أحسن! قولي إنك لقيتي اللي هيأمن لك القرش فبعتي اللي حبك!" صرخت رزان في وشه بانهيار "أيوة يا مراد! إيه العيب إني أعوز حياة أحسن؟ إيه العيب إني أرفض أعيش في الفقر بقية عمري؟ أنا مش هضحي بمستقبلي عشان خاطر برنامج إنت مش عارف هيخلص إمتى!" مراد بص لها نظرة أخيرة، نظرة كانت مليانة احتقار ممزوج بوجع ملوش آخر، وقال بصوت واطي وقاسي "كنت فاكرك غالية يا رزان.. بس طلعتي أرخص بكتير من أي حاجة كنت هقدمها لك. روحي.. روحي للي هيدفع لك، بس افتكري إن الفلوس بتشتري كل حاجة.. إلا الراجل اللي يحبك بجد." رزان مقدرتش ترد، لمت حاجتها وجريت بعصبية وهي بتبكي، سابته واقف في نص الحديقة، وحيد، مكسور، ومعاه حلمه اللي فجأة بقى ملوش طعم. _____ كانت رزان ماشية في الشارع ودموعها نازلة زي الشلال، بتمسحها بعنف وبإيد بترتعش، كأنها بتحاول تمسح ذنب أو وجع مش راضي يروح. دقات قلبها كانت مسموعة، وصوت كلمات مراد الأخيرة "كنت فاكرك غالية" بيرن في ودنها زي الجرس، بيقطّع في روحها. الأفكار جوا دماغها كانت عاملة زي حرب شوارع "أرجع له؟ أرجع وأقوله إني كنت غبية وإني مقدرش أعيش من غيره؟" لكن فجأة، صورة الدكتور كمال، وصورة الفواتير اللي كانت مرمية على الأرض، وصورة وش خالها مهدي وهو بيبص لها .. كل ده ظهر قدامها زي السد. "لو رجعت له هكسب إيه؟" سألت نفسها بقسوة، "هكسب سنين تانية من الانتظار؟ هكسب فقر وتعب ومرمطة في الأتوبيسات؟ الحب مش هيدفع إيجار البيت، ولا هيخلي ماما تعيش كرامتها محفوظة." كانت بتحاول تقنع نفسها إنها صح، إنها "واقعية"، بس الوجع اللي في صدرها كان بيقول حاجة تانية خالص. كانت بتمشي وهي مش شايفة الناس، والناس حواليها مجرد خيالات. فضلت ماشية، تسرع خطواتها كأنها بتهرب من خيال مراد اللي ملاحقها في كل ركن، لحد ما لقت نفسها قدام باب الشقة. وقفت قدام الباب ثواني، خدت نفس طويل ومسحت وشها لآخر مرة، وحاولت ترسم ملامح جامدة.. ملامح "رزان الجديدة" اللي قررت تبيع قلبها عشان تشتري حياتها. فتحت الباب ودخلت، وهي عارفة إن من اللحظة دي، مفيش رجوع لورا أبداً. _____ بعد يوم المقابلة الصعب، رزان راحت الجامعة وهي واخدة قرارها النهائي. قابلت الدكتور كمال، اللي كان القلق باين على وشه من غيابها، وأول ما شافته قالتها بوضوح "أنا موافقة يا دكتور.. تقدر تجيب أهلك وتتفضل عندنا." بدأت تشغل نفسها "بالتجهيز". مكنتش عايزة تسيب لنفسها ثانية واحدة للتفكير عشان مهربش للحزن. الدكتور كمال طلع راجل "كريم" بزيادة، حتى إنه أداها مبلغ محترم عشان تجيب كل اللي هي عايزاه وتجهز نفسها كعروسة دكتور. أما خالها "مهدي"، فكان من حظها إنه اختفى من البيت تماماً، ومحدش عرف راح فين، وده ريحها عشان الخطوبة تعدي من غير نكد أو إحراج. الله وحده انهى داهية راح ليها المرة دي . وفي يوم، وهي نازلة تجيب حاجات مع مامتها، لقت "رنيم" أخت مراد الصغيرة واقفة في السوق . رنيم كانت بتحب رزان جداً ومعتبرة إنها خلاص بقت فرد من العيلة. أم رزان "رتيبة" رحبت برنيم بحفاوة "أهلاً يا رنيم يا بنتي، وحشانا والله.. مامتك عاملة ايه؟ " رنيم ردت بابتسامة متوترة " حمدلله كلنا كويسين ، ازيك ياطنط اخبارك ايه ؟" رتيبة ردت وواضح انه السعادة مالية وشها وهي بتجهز لابنتها "تعالي يا حبيبتي ده إحنا حتى في عز التجهيز لخطوبة رزان، عقبالك يا رب!" الكلمة نزلت على رنيم كأنها قلم على وشها. وشها شحب فجأة، وبصت لرزان بذهول وعدم تصديق. رزان ارتبكت، بس حاولت تحافظ على ثباتها وجمدت قلبها. سحبت رنيم رزان على جنب عشان يتكلموا بعيد عن الأم، وأول ما انفردوا، رنيم نطقت بصوت مهزوز "خطوبة؟ خطوبة مين يا رزان؟ إنتي بتتكلمي بجد؟ ده مكملش أسبوع من يوم ما سيبتوا بعض إنتي وابيه! لحقتي؟ ولا هو كان جاهز وإنتي مستنية الإشارة؟" رزان ردت ببرود مصطنع "رنيم.. دي حياتي الشخصية، وأنا حرة أقرر اللي يريحني." رنيم ضحكت بمرارة وسخرية "حياتك الشخصية؟ أنا كنت جاية النهاردة عشان أصالحك معاه ، كنت فاكرة إنه فيه حب بجد! مراد بقاله أسبوع مش بياكل ولا بيشرب، حاول يكلمك مية مرة ولقاكي قافلة كل حاجة في وشه.. كان فاكر إنك "بتتدللي" أو واخدة على خاطرك ومستنية يصالحك، مكنش يتخيل أبداً إنك بتمحيه وبترمي نفسك في حضن راجل تاني بالسرعة دي!" رزان حاولت تدافع عن نفسها "إنتي بنت يا رنيم وفاهمة الدنيا صعبة إزاي.. أنا محتاجة استقرار، محتاجة حد جاهز يسندني.. مراد حلمه بعيد، وأنا مقدرش أستنى أكتر من كدة." رنيم بصت لها باحتقار مقدرتش تخبيه وقالت "بنت؟ أيوة أنا بنت، بس البنت اللي تحب راجل بجد بتصبر معاه في المرة قبل الحلوة. مراد كان بيحتضر عشان البرنامج ده يخلص ويجيلك، وإنتي بعتيه عشان 'الفلوس'.. عشان شوية لبس وشبكة غالية؟" رزان اتعصبت وقالت بحدة "رنيم! خلاص الكلام ده ملوش لزمة دلوقتي.. أنا بقيت مخطوبة، ويا ريت تحترمي ده، ومتجيبليش سيرة أخوكي تاني أبداً.. اعتبريه فصل وانتهى من حياتي." رنيم عدلت شنطتها اللي معلقاها وبصت لرزان نظرة أخيرة خلت رزان تحس إنها صغيرة جداً، وقالت بسخرية لاذعة "تعرفي؟ أنا دلوقتي بس شكرت ربنا إنه ابيه مارتبطش بيكي رسمي.. الله أعلم كنتي هتعملي فيه إيه تاني لو كان اتزنق مادياً وهو معاكي في بيت واحد. مبروك يا عروسة.. مبروك الفلوس، بس خليكي فاكرة إن اللي بيبدأ بالبيع، بيفضل طول عمره رخيص." رنيم مشت وسابت رزان واقفة مكانها، عينيها ثابتة في الفراغ وقلبها بيتحرق، بس كبريائها منعها تنطق بكلمة واحدة. سكتت رزان وكملت طريقها، كأنها بتدفن جثة حبها بإيدها وهي بتبص لقدام.. لمستقبل "كمال" اللامع