الفصل الثاني
رزان كانت قاعدة، ضامة شنطتها لصدرها بكل قوتها كأنها بتحتمي فيها. عينيها كانت متعلقة بالشباك، بتابع الطريق وكأنها بتعد الشجر، بس الحقيقة هي كانت بتحاول تهرب من نظراته اللي حساها على وشها. أما "مراد"، فكان واقف قريب منها، إيد ماسكة حديد الأتوبيس بقوة عشان يثبت مع كل "ميله" أو "هبدة" في الطريق، وإيده التانية في جيبه بكل ثبات.
كسر مراد الصمت وهو بيميل برأسه شوية ناحيتها وقال بصوت هادي
"ها.. قوليلي بقى، في سنة كام في الدراسة؟"
ردت رزان من غير ما تبص له، وصوتها طالع مهزوز سنة
"أنا في سنة تالتة.. قصدي في سنتي الأخيرة."
مراد هز رأسه بتفهم، وسكت لحظة قبل ما يقول بمشاكسة
"تمام.. مش ناوية تسأليني أنا كمان ولا إيه؟"
هنا رزان رفعت عينيها غصب عنها وبصت له بارتباك واضح، لقت قدامها ابتسامة هادية وواثقة خلت قلبها يدق أسرع. لسه مراد هيتكلم، فجأة الأتوبيس فرمل وحد من الركاب خبط فيه من غير قصد
"أنا آسف يا أستاذ".
مراد رد بذوق وهو بيعدل وقفته
"ولا يهمك، حصل خير".
رجع بص لرزان تاني وسألها بابتسامة
"كنا بنقول إيه بقى؟"
رزان من كتر التوتر قالت أول حاجة جت في بالها
"كنا.. كنا بنتكلم عن مدرستي الثانوية."
مراد فهم إنها بتحاول تداري خجلها، فماشى اللعب وقال لها
"تصدقي؟ أنا كمان كنت في نفس المدرسة دي."
رزان اتفاجئت بجد ورفعت حاجبها بدهشة
"بجد؟ في فصل كام طيب؟"
لما قال لها رقم الفصل، رزان مكنتش مصدقة، كانت لسه هتقول "مش ممكن ده فصلي!" وطلعت موبايلها بسرعة عشان تفتح الصور وتتأكد من صور قديمة للفصل كانت مصوراها.
أول ما الشاشة نورت، ملامح رزان اتجمدت.. الدم هرب من وشها. هي كانت نايمة والموبايل في إيدها، وآخر حاجة كانت فاتحاها هي "صفحته الشخصية". صورته كانت مالية الشاشة!
بسرعة البرق، رزان قفلت الشاشة وحطت الموبايل على صدرها، ونفستها بقيت سريعة جداً. مراد شاف كل حاجة، شاف إنها كانت بتدور وراه "في أعماقه" حرفياً. ملامحه اتغيرت لابتسامة فيها حنية وتقدير، ومحبش يزود إحراجها.
سألها بهدوء
"هو إنتي بعتّيلي قبل كدة؟"
هزت رأسها بـ "لأ" وهي بتبص في الأرض.
"طيب اسم حسابك إيه؟"
رزان بصتله بصدمة، مكنتش متوقعة الجرأة دي. مراد بص للطريق، المحطة قربت، فمد إيده وقال لها بلهجة مفيش فيها تراجع
"هاتي الفون بتاعك ثانية "
رزان استسلمت وادتهوله وهي إيدها بتترعش. مراد بلمسات سريعة دخل على صفحته وبعت لنفسه "طلب صداقة"، وبعدين طلع موبايله من جيبه وقبل الطلب في وقتها.
رفع الموبايل قدام عينيها وهو بيضحك
"مبروك.. بقينا أصحاب على فيسبوك."
الأتوبيس وقف، ومراد كان لازم ينزل فوراً. سابها بسرعة ونزل، بس قبل ما يختفي، راح للسواق ودفع الأجرة ليه وليها، وشاور للسواق عليها عشان يفهمه إنه حاسب لها.
رزان كانت قاعدة مش فاهمة حاجة، مذهولة من اللي حصل. وقبل ما الأتوبيس يتحرك، شافت مراد من الشباك وهو واقف على الرصيف، شاور لها على الموبايل في إيده "بمعنى ردي عليا"، واختفى وسط الزحمة.
نزلت رزان من الأتوبيس وهي ماشية كأنها طايرة، ابتسامة غبية مش راضية تفارق وشها، وقلبها بيقول لها إن النهاردة مش يوم عادي.
اللي رزان مكنتش تعرفه، إن مراد مكانش المفروض يركب الأتوبيس ده أصلاً! ده مش خط الجامعة بتاعه، هو ركب بس عشان يكون معاها، والنتيجة إنه دلوقتي "متأخر جداً" عن محاضرته.. بس بالنسبة له، المحاضرة اللي أخدها في "عيون رزان" كانت أهم بكتير.
______
بعد الموقف ده، الحواجز اللي كانت بينهم وقعت تماماً، وبقت الرسايل هي "نفسهم" اللي بيتنفسوه. الموبايل مابقاش بيفارق إيد رزان، ولا "رنة" الإشعار بطلت تعزف في أوضتها.
بقوا يتكلموا في كل حاجة وأي حاجة.. رزان تحكي له عن يومها ومواقفها مع المدرسين، وهو يحكي لها عن "مرمطة" الجامعة، وعن أحلامه الكبيرة اللي بتبدأ من شقة صغيرة وتخلص عند كونه مهندس معلومات ناجح. اتكلموا عن الحي الشعبي وصعوبة العيشة فيه، عن عائلاتهم، عن الأكلات اللي بيحبوها.. لدرجة إنهم بقوا عارفين عن بعض تفاصيل، يمكن أقرب الناس ليهم مايعرفوهاش.
بس وسط كل الكلام ده، كان فيه "فيل في الأوضة" زي ما بيقولوا. مراد لسه مانطقش الكلمة اللي رزان مستنياها، وهي كانت قاعدة على نار، بتسأل نفسها: "إحنا إيه؟ واصلين لفين؟"
وفي يوم، رزان قعدت مع صاحباتها، وطبعاً "زن" الصحاب بدأ: "يا بنتي بطلي هبل، الشباب اليومين دول بيتسلوا.. هيعلقك بيه وفي الآخر هيقولك إحنا إخوات.. اتقلي عليه وشوفي هيعمل إيه". كلامهم دخل ودنها وزرع الشك في قلبها.
قررت رزان تنفذ النصيحة. مراد يبعت "صباح الخير"، ترد هي بعد 4 ساعات بكلمة واحدة "صباح النور". يسألها "مالك؟"، ترد "مفيش.. مشغولة". برودها كان زي التلج اللي نزل على نار حماسه.
مراد حس إن فيه حاجة غلط كبيرة، فبعت لها يسألها بوضوح
"رزان، في إيه؟ إنتي متغيرة ليه بقالك يومين؟"
هنا رزان مكنتش قادرة تستحمل أكتر، وانفجرت فيه بكل الشكوك اللي جواها. كتبت رسايل ورا بعض زي الطلقات
"إحنا علاقتنا إيه ببعض يا مراد؟ إنت شايفني إيه؟ مجرد واحدة بتتسلى بيها وخلاص؟ ولا صديقة فيسبوك بتقضي وقت معاها؟ لو فاكر إنك هتعلقني بيك وبعدين تمشي تبقى غلطان!"
بعتت الكلام وقلبها بيقع في رجليها. دقيقة.. اتنين.. عشرة.. ومراد ماردش. هنا رزان قالت خلاص، شكوكها طلعت صح، وهو خاف وخلع.
وفجأة، الموبايل نور برسالة طويلة جداً.. رزان فتحتها بإيد بتترعش
"يا رزان، أنا عمري ما فكرت ألعب بيكي ولا بغيرك، أنا راجل وعارف يعني إيه بيوت ناس. أنا حبيتك من أول نظرة في الأتوبيس، وكنت فاكر إنك عارفة ده.. وبعدين أنا مكلمتكيش في الموضوع عشان إنتي أصلاً وافقتي من زمان! نسيتي لما كنتي بتقولي 'موافقة موافقة' من غير حتى ما أسألك؟ أنا اعتبرت ده صك الموافقة بتاعك."
رزان لما قرأت الرسالة، وشها بقى جمرة نار وافتكرت تسرعها يومها. بس قررت إنها "تتغلى" عليه شوية وتتعب قلبه، عشان يتأكد إنها مش سهلة. مراد فهم دماغها وطمنها بكلمتين
"يا ستي اتقل براحتك، بس خليكي واثقة إن لو مكنتش عايزك بجد، مكنتش ضيعت ثانية من وقتي معاكي."
من اليوم ده، علاقتهم بقت أحلى بكتير، وبقى ليها طعم "السر" اللذيذ. مراد كان "حنين" لدرجة توجع القلب. بقى كل يوم يستناها يوصلها لحد الأتوبيس الصبح، حتى لو هو وراه مشوار تاني. يركبها ويحاسب لها، ويفضل واقف يتأكد إنها قعدت في مكان مريح وبعيد عن الزحمة قبل ما الأتوبيس يتحرك.
ورغم إن ظروفه المادية كانت على قده، بس عمره ما نسي يجيب لها حاجة حلوة في إيده، "شوكولاتة" بسيطة أو حتى "لبان"، بس كانت عندها أغلى من كنوز الدنيا.
ولما كانت تقف قدامها مسألة صعبة في المذاكرة، كان هو "المنقذ". رزان اكتشفت إنه مش بس طيب وحنين، ده ذكي جداً وعقله يوزن بلد، وكان بيبسط لها كل حاجة بكلمتين.
رزان كانت بتبص له وهي حاسة إنها ملكت الدنيا، وإنه "مرادها" اللي بجد.
_____
مرت الأيام...
ورزان كبرت وعيونها انفتحت على عالم تاني خالص غير "الحارة" والأتوبيس. دخلت الجامعة، وفي أول سنة وتانية، بدأت الصورة الوردية اللي كانت رسماها لمراد وللحياة معاه "تبهت" قدام بريق الجامعة.
في الجامعة، رزان شافت عالم كانت بتسمع عنه بس في المسلسلات. شافت البنات اللي بينزلوا من عربياتهم بآخر موديل، واللي شايلة شنطة "براند" تمنها ممكن يعيش عيلتها شهرين. بدأت تقارن بين زميلاتها اللي بيتخطبوا لدكاترة ومعيدين، وبياكلوا في مطاعم "راقية" وصورهم على إنستجرام كلها هدايا غالية وورد وبرستيج.. وبين حياتها هي.
رزان بدأت تحس بمرارة لما ترجع البيت وتلاقي نفسها لسه بتتخانق مع خالها "مهدي" على مين اللي هياخد رغيف العيش الزيادة على العشا ! بدأت تسأل نفسها: "هو أنا هفضل طول عمري أحسبها بالقرش؟"
في الوقت ده، مراد كان خلص جامعة ودخل "الدوامة". كان بيدور على شغل بتخصصه (هندسة البرمجيات) بس الدنيا كانت مقفولة في وشه، فاضطر يشتغل أي حاجة عشان يسد خانة، بس قلبه وباله كله كان في "مشروع عمره".
كان مأجر هو وصحابه شقة بسيطة، قافلين على نفسهم وقاعدين قدام الشاشات ليل نهار بيبرمجوا ويحلموا إنهم يأسسوا شركة عالمية. رزان في الأول كانت بتشجعه، بس مع الوقت "الواقع" غلبها. كانت شايفة إنه بيضيع وقته في "حلم" مجهول، في حين إن الحياة برا صعبة والأسعار بتغلي، ومحتاج شغل "حقيقي" بمرتب ثابت عشان يقدر يجي يخبط على بابها.
مصاريف الجامعة والكتب والمواصلات بدأت تزيد، ورزان مكنتش عايزة تضغط على أمها أكتر من كدة. فقررت تنزل تشتغل "بياعة" في محل في الحي عندهم.
الشغل ده كان هو "القشة التي قصمت ظهر البعير". رزان كانت بترجع من الجامعة تعبانة، تروح المحل تقف على رجليها ساعات، وتتعامل مع أشكال وألوان من البشر، وترجع بالليل مهدودة.
في اللحظات دي، كان "الحب" لوحده مش كفاية. كانت بتبص لموبايلها وتلاقي رسالة من مراد
"وحشتيني، ازيك ياحبيبتي ؟"
كانت بتبص للرسالة ببرود وبتقول في سرها
" ازيي ؟ أنا دلوقتي محتاجة اللي يسندني، محتاجة أرتاح من الوقفة دي، مش محتاجة وعود بكرة اللي مش عايز ييجي."
_____
الجامعة كانت دوشة كالعادة، رزان كانت قاعدة سانده راسها على إيدها، سرحانة في هموم الشغل ومصاريف البيت، لحد ما لقت صحباتها بدأوا يتوشوشوا ويخبطوا بعض بالراحة وهما بيبصوا وراها.
رزان رفعت راسها بزهق وقالت
"في إيه؟ بتبصوا على إيه كدة؟"
واحدة منهم ردت بلهفة
"ارفعي راسك كدة وبصي وراكي.. ده الدكتور كمال، الدكتور الجديد اللي لسه مستلم المادة. شوفتي الشياكة؟ شوفتي الهيبة؟ ده مش بس دكتور، ده واضح إن عيلته واصلة أوي، شوفي العربية اللي ركنها برا!"
رزان بصت بطرف عينها، شافت راجل في منتهى الأناقة، لبسه غالي ومرتب، وملامحه فيها ثقة تخلي أي حد يضطرب. بس رزان مكنتش في المود، مكنش فيه حاجة لسه لفتت نظرها، بالعكس، كانت شايفة إن الموضوع مأفور شوية.
فجأة واحدة من البنات قالت بصوت واطي
"يا جماعة.. هو أنا متهيألي ولا الدكتور كمال بيبص على رزان بجد؟"
رزان ضحكت بسخرية وقالت
"يا بنتي ارحمي نفسك، بيبص عليا أنا؟ ليه إن شاء الله؟"
صاحبتها أصرت
"والله بيبص عليكي، طب لفي وشك كدة وشوفيه.. أهو، عينه لسه عليكي!"
لفّت رزان وشها بتحدي عشان تثبت ليهم إنهم واهمين، بس اتصدمت.. عينيها جت في عينيه فعلاً. كان بيبص لها بنظرة هادية ومركزة، مش نظرة عابرة. أول ما لقاها بصتله، لف وشه بهدوء، أخد القهوة بتاعته وراح قعد في ترابيزة قريبة جداً منهم.
رزان نفخت بضيق ورجعت كملت تقليب في شنطتها، فصاحبتها غمزت لها
"يا بنتي فرصة وجت لحد عندك، حد يضيع فرصة زي دي من إيده؟"
رزان ردت بحدة
"فرصة إيه وكلام فاضي إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا بنتي إنتي؟"
البنت لوت بوزها وقالت
"أيوة طبعاً فرصة.. ولا إنتي لسه ناوية تضيعي وقتك مع.. مع اللي اسمه مراد ده؟"
رزان وشها اتغير وقالت بلهجة قاطعة
"أيوة مع مراد! إيه المشكلة؟"
صاحبتها كملت ببرود
"المشكلة إن مراد وسيم وكل حاجة، بس كمال ده 'برستيج'، ده مستقبل جاهز، مش لسه بيحلم بمشاريع ومش عامل حاجة.. ده دكتور يا رزان!"
رزان قامت وقفت مرة واحدة وهي بتلم كتبها بعصبية
"بقولك إيه، يا ريت تسكتي أحسن، أنا ماشية مش هقعد هنا ثانية كمان."
وهي بتمشي، سمعت صاحبتها بتقول للي جمبها بصوت مسموع
"هي كدة كل ما نتكلم في الحقيقة تهرب.. بذمتكم دي علاقة؟ بقالهم تلات سنين مع بعض ومفيش أي حاجة واضحة ولا خطوة رسمية!"
الكلام نزل على رزان زي السكاكين، مكنتش قادرة تنكره لأنها عارفة إنه صح، بس مش عايزة تسمعه من حد. مشيت بخطوات سريعة وعصبية، دموعها كانت محبوسة في عينيها وهي بتبرطم لنفسها.. وفجأة، وسط الزحمة والدوشة، سمعت صوت رجالي رزين بينادي
"آنسة رزان.. يا آنسة رزان!"
رزان لفت بكل عصبيتها، كانت ناوية تطلع غلها كله في اللي بيناديها، بس لسانها اتلجم أول ما شافت اللي واقف قدامها.
كان الدكتور كمال.. واقف بابتسامة هادية ووقار، وماسك في إيده ورقة أو كتاب وقع منها. رزان وقفت مذهولة، والأسئلة بدأت تخبط في دماغها
"هو بجد كان مركز معايا؟ وهو عرف اسمي منين؟"