نجم لمع في عتمة اليل - الفصل العاشر : رسالة من الماضي - بقلم تسنيم اكاري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم لمع في عتمة اليل
المؤلف / الكاتب: تسنيم اكاري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر : رسالة من الماضي

الفصل العاشر : رسالة من الماضي

عادت إلى المنزل لتنجز ما تبقّى من دروسها، لا بسبب رغبتها بل ذلك كان الفعل الآلي الذي تقوم به الأيدي حين يكون القلب غائبًا . جلست إلى مكتبها الصغير، الضوء خافت، والوقت يبدو متوقفًا، كأن الساعات تراقبها ولا تتحرك، وبينما كانت تقلّب الصفحات سقط دفترها من فوق المكتب، سقوط بسيط، صوت ورق على أرض، شيء عادي، لكن الخوف الذي عبر جسدها لم يكن عاديًا، ذلك الخوف الذي لا يعرف مصدره لكنه يعرف طريقه إلى الصدر مباشرة، انحنت ببطء، التقطته بيديها، وضعتْه فوق المكتب كما لو أنها تعيد شيئًا هشًا إلى مكانه، ثم لاحظت ما لم يكن يجب أن يكون هناك، ورقة عالقة بين الغلاف والصفحات، شيء دخيل، ترددت اليد وارتجفت ، العقل حاول الإقناع بأن الأمر لا يعني شيئًا، لكن القلب كان يعرف، وحين سحبت الورقة ورأت الخط، لم تحتج إلى قراءة اسم، الخط وحده كان كافيًا ليهدم الزمن. ارتجف جسدها كله، لم تستطع الكلام، ولا الصراخ، ولا حتى البكاء، دخلت في نوبة هلع صامتة، لأن الذاكرة سبقتها إلى ذلك المشهد الذي حاولت دفنه لعامين، الغرفة التي لم تجرؤ على دخولها، اللحظة التي انكسر فيها كل شيء، لم يكن الألم في الفعل نفسه، بل في الإحساس بأنها بقيت معلّقة هناك، جسدها عاد إلى الحياة لكن روحها لم تلحق به، كانت ما تزال تتأرجح بين الذنب والصدمة، وحين أمسكت الرسالة تمنت لو كانت فارغة، لو كان مجرد ورق بلا معنى، لكن الحبر الأسود كان حاضرًا، حقيقيًا، صامتًا وثقيلًا، رسالة منه، لها وحدها، فتحتها وهي ترتجف، قرأت الكلمات بتقطّع، ليس لأن الحروف صعبة، بل لأن القلب كان ينهار عند كل سطر، ومع كل جملة كتبت كانت تعرف انها ستشعر بأن صوته يعود، لا كذكرى، بل كحضور داخلي . وبدأت تقرأ، بصوت داخلي متكسّر: «إلى صديقتي العزيزة تسنيم، على الأرجح، عندما تقرئين هذه الرسالة، سأكون قد رحلت عن هذا العالم. أعرف أنك غاضبة لأنني لم أستطع الوفاء بوعدي لك، وأعرف أنك ستلومينني، وربما تكرهينني قليلًا، لكن صدّقيني، كنتِ الوحيدة التي فهمتني حقًا. كنت أشجّعك على المقاومة، وأحفّزك على النهوض، رغم أنني كنت مثلك، أقاتل شيئًا لا يُرى، ولم أكن قوياً كما كنتِ أنتِ. بالنسبة لي، كنتِ النجوم، وكنتُ أنا الليل. لا يلمع أحدنا دون الآخر، لكنك كنتِ دائمًا الأوضح. أنا آسف لأنني لم أخبرك بكل شيء، ليس لأنك لا تستحقين، بل لأن خوفي كان أكبر من شجاعتي. ولو كان لي شيء أغلى من حياتي كلها، فهو أنتِ. وجودك، ضحكتك، غباؤك اللطيف، وتهوّرك… كل ذلك كان جزءًا مني، وسببًا في الأيام القليلة التي شعرت فيها أنني بخير. ربما ستفقدين الأمل بعدي، وربما تعودين إلى نقطة البداية، ولا بأس بذلك، البداية ليست هزيمة. أعرف أنك ستنهضين مع الوقت، لذلك أرجوك، لا تكرهي العالم بسببي. عيشي، لا لتثبتّي شيئًا، بل لأنك تستحقين الحياة. حقّقي حلمي الذي لم أستطع رؤيته، حلمي بأن أراك تبتسمين بصدق. اركضي، اسقطي، اكتبي عندما يتعب قلبك، وإن خذلتك الكلمات فارتمي في الرسم، وإن عجز كل شيء، ابكي… فالبكاء ليس ضعفًا، بل تفريغًا للحمل. أنتِ قوية، حتى عندما لا تشعرين بذلك. وهناك شيء أخير لم أملك الجرأة لأقوله لك وجهًا لوجه: أنا أحبك. أحببتك منذ اليوم الأول، وخفت من أن أخسرك إن اعترفت، فآثرت الصمت. لكن اعلمي أنني سأبقى معك كظل، لا يقودك، بل يرافقك. ولا تنسي أبدًا: النجوم لا تلمع إلا في عتمة الليل. حارسك، ياسين.» حين انتهت من القراءة، أغلقت الرسالة ببطء، كأنها تخشى أن يختفي صوته إن أسرعت، ضمّتها إلى صدرها، لا كذكرى، بل كشيء حيّ، وانفجر قلبها بالبكاء، بكاء كثيف بلا صوت، لأن الصوت لا يخرج حين يكون الحزن أكبر من الحنجرة، وفي ذلك الصمت شعرت بشيء غريب، ألم حاد، نعم، لكن أيضًا دفء خافت، كأن الكلمات أعادت إليه شكلًا آخر من الوجود، فهمت في تلك اللحظة أن الفقد ليس فراغًا فقط، بل عبء أمانة، وأن من نحبهم لا يرحلون تمامًا، بل يتحوّلون إلى أصوات داخلنا، إلى وصايا صغيرة، إلى أسباب للبقاء، ورغم الغياب، ورغم الوجع، أدركت أنها ليست وحدها، وأن الحب الحقيقي لا ينتهي، بل يغيّر مكانه.