الفصل التاسع : خيال بين الرفوف
بعد المدرسة ، دخلت المكتبة كما يدخل الغريق كهفًا تحت الماء. لم يكن المكان هروبًا بقدر ما كان تأجيلًا للعالم الذي حاولا الهروب منه .
الهواء هناك أهدأ، محمّل برائحة الورق القديم،
رائحة لا تسأل من أنتِ، ولا ماذا تحملين في صدرك.
كانت تمشي بين الرفوف ببطء، أصابعها تنزلق على عناوين الكتب دون أن تقرأها حقًا،كأنها تبحث عن شيء لا يُكتب.
ثم سمعته. ليس صوتًا كاملًا، بل همسًا خفيفًا…
أقرب إلى فكرة تسللت من غير إذن.
التفتت. لم يكن جسدًا و لا مجرد خيال ، كان ظلًا يعرف شكلها وقف في الممر، ينظر إليها ويبتسم،
تلك الابتسامة التي لا تحتاج سببًا.
أشاحت بوجهها فورًا ، و قالت في داخلها:
"ليس الآن… أرجوك، ليس هنا."
جلست على الطاولة، و فتحت كتابًا عشوائيًا، ثم قلبت الصفحة الأولى، ثم الثانية، لكن الكلمات لم تكن كلمات، كانت ستارًا تحتمي خلفه من كوابيسها .
لكنها رأت ظله يجلس أمامها. لم يتحرك الكرسي ولم يصدر صوت ، لكنها كانت متأكدة.
قالت بصوت خافت، بالكاد يُسمع:
—" لا يمكنك البقاء… سيلاحظون".
أجابها، وكأنه يضحك:
—" منذ متى كنتِ تهتمين بما يلاحظه الآخرون؟"
رفعت عينيها إلى الصفحة، لكن ابتسامة صغيرة خانتها.
— "أنتِ التي جعلتِني هنا، قالها بهدوء. كل مرة تحاولين النسيان… تنادينني دون قصد ".
همست:
—" أنا لا أنادي أحدًا."
— "بل تفعلين،”
قال.
— " تنادين النسخة التي لم تُكسر بعد."
كانت تهز رأسها ببطء، كمن يحاول طرد حلم عنيد.
قالت:
— "أنت لست حقيقيًا."
ابتسم،
تلك الابتسامة المؤلمة لأنها صادقة أكثر من اللازم:
— " ولا حزنكِ أيضًا… لكنه يؤلمك، أليس كذلك؟"
في تلك اللحظة،
توقف ظل بين الضوء والورق.
—" لما تتحدثين وحدك؟"
قال أمين المكتبة، صوته حاد، واقعي، كأنه حجر أُلقي في ماء راكد.
— "هل أنتِ بخير؟."
رفعت رأسها فجأة و وجدت أن الظل قد اختفى والكرسي أمامها فارغ و صمت ثقيل يضع يديه حول رقبتها و يخنقها حتى لا تستطيع الكلام .
—" أنا… "
تلعثمت.
— "كنت أقرأ."
نظر إليها طويلًا، نظرة شكّ لا قسوة فيها، ثم أومأ برأسه وابتعد.
عندها فقط فهمت ، لم تكن قد جُنّت ، كانت فقط وحيدة لدرجة أن ذاكرتها بدأت تتكلم بدلًا عنها.
أغلقت الكتاب بسرعة، و احتضنته كدرع، وخرجت.
لم تذهب بعيدًا بل ركضت إلى أرض الشمس.
ذلك المكان الصغير ، حيث الضوء يسقط كما لو أنه يعرفهما ،جلست على الأرض ، أسندت ظهرها إلى الجدار الدافئ، وتركت الذاكرة تفعل ما تشاء.
عاد المشهد كانت أصغر و السماء أوسع والحزن… لم يكن له اسم بعد.
كان يجلس أمامها، يمسك ورقا و قلما محاولا رسمها و هي مستندة على الجدار .
— "لا تتحركي،"
قال بجدية طفلية.
—" هذه ستكون من اجمل الصور التي سأرسمها "
ضحكت:
— " حقا ، هل تنوي المشاركة في المسابقة ؟ "
وقف، رفع صدره، وقال بنبرة فارس صدّق نفسه:
"_لا فعلا ، انا لم افكر في الامر "
— "ولماذا؟" سألت.
نظر إليها، ثم قال ببساطة:
_"لأني اريد ان أكون حرا . "
سكت قليلًا، ثم أضاف :
"_ في المسابقة سيقولون لي ما علي ان ارسمه ، و انا لا احب التقيد بما يملونه علي ."
رغم ان كلماته بسيطة ، سخيفة لو قيلت الآن.
لكن في ذلك العمر… كانت ثورة، جعلتها تفكر يوميا ، هل ستكون يوما ما مثله ، غير مبالية لكلام الاخرين .
فتحت عينيها ، الشمس ما زالت هنا ، الأرض نفسها.
لكن الفارس غاب ومع ذلك… الدائرة لم تختفِ ، بقيت مرسومة في داخلها، ضعيفة، متشققة، لكنها موجودة.
فهمت حينها شيئًا لم تستطع قوله:
أن بعض الأشخاص لا يأتون لينقذونا من العالم،
بل ليزرعوا فينا فكرة أن النجاة ممكنة.