الفصل التاسع والعشرون: التحول
لم يكن دخول كريم هذا الصباح كسابقه. لم يعد مجرد زائر فضولي، ولا مجرد مساعد يراقب عن بعد. كان يحمل شيء في داخله أكبر من أي دفتر أو اقتراح، شيء بدأ يتشكل منذ أسابيع: شعور بالحقيقة، شعور بالمسؤولية، وصراع داخلي مع قراراته السابقة.
جلس في زاوية المحل، مبتعدًا عن الأنظار، يراقب ياسين وهو يتابع الحسابات، يُعدل جداول التوريد، يتحقق من جودة المنتجات. كل حركة كانت دقيقة، بسيطة، لكنها تنضح بالأخلاق. كريم شعر بشيء غريب: احترام لم يكن يعرفه لنفسه ولم يكن يتوقعه.
تقدم خطوة، قال بصوت منخفض: — ياسين… لقد تعلمت الكثير منك. طريقة عملك، صبرك، احترامك للآخرين… لم أرَها من قبل.
ابتسم ياسين بهدوء، دون مبالغة: — لا شيء أعظم من أن يحافظ الإنسان على مبادئه، كريم.
جلس كريم، وأخذ يفكر مليًا. كان يعلم ما يجب أن يفعله بناء على أوامر الحاج مصطفى. كان يفترض أن يتقرب من ياسين ليؤثر عليه، ليجعله يرتكب خطأ، ثم يسقطه. لكن شيئًا ما في هدوء ياسين، في احترامه للآخرين، في التزامه بالمبادئ، أوقفه.
ساعات تمر، وكريم يشعر بثقل المسؤولية. كل فكرة خيانة تتراجع خطوة، وكل تردد يصبح قوة داخلية. كان يعرف أن الوقت قريب، وأن أي لحظة قد يقرر فيها: أن يكون جزءًا من الظلم… أو أن يكون إنسانًا.
في المساء، غادر كريم المحل، لكنه لم يذهب بعيدًا. جلس في مقهى صغير، يراجع ما جمعه من معلومات عن فساد الحاج مصطفى: صفقات مشبوهة، توريدات تالفة، تحركات مالية غير قانونية. كل شيء كان أمامه، وكان يعلم أنه الطريقة الوحيدة لإنقاذ المدينة، وإنقاذ نفسه من شعور الذنب.
وفي اليوم التالي، عاد كريم إلى ياسين. جلس أمامه، فتح دفتره الصغير، وأخرج كل الأوراق:
— ياسين… كل شيء كنت أنفذه بناءً على خطة الحاج مصطفى. كل ما جمعته، كل ما كنت سأفعله ضدك… كل شيء هنا. أردت أن أؤذيك، لكن… لم أستطع. أخلاقك، صبرك، ونزاهتك جعلتني أوقف نفسي.
نظر ياسين إليه بعينين هادئتين، كأنه قرأ داخله:
— المهم أنك اخترت الصواب. وأنك لم تتحمل فساد الحاج مصطفى. هذا كل ما أريده.
ابتسم كريم لأول مرة ابتسامة صافية، بلا خوف، بلا تردد، بلا شعور بالواجب تجاه الظلم. كان حليفًا حقيقيًا الآن.
في الخارج، بدأت المدينة تتحرك بطريقة غريبة: فساد الحاج مصطفى بدأ يظهر للعامة، لكن مع كل خطوة، هناك رجل واحد، ياسين، يعيد التوازن بصبره وأخلاقه. كريم أصبح اليد الصامتة التي تقوي هذا التوازن، لكنه أيضًا تذكر أن كل شيء يعتمد على نزاهته هو شخصيًا، وليس على خطة سابقة.
كانت هذه البداية الحقيقية للانقلاب الكبير: أخلاق ياسين لم تحمِ فقط نفسه، بل قلبت قلب الآخر لصالح الحق.