الفصل الحادي والثلاثين
في اليوم اللي بعده، كاريلا كانت بتلم كتبها بهدوء بعد محاضرة طويلة، وكانت ليز واقفة قريب منها، بتراقبها بطرف عينها وبتحاول تظهر إنها مش مهتمة. الاتنين خرجوا من القاعة في نفس الوقت، وليز كانت ماشية بخيلاء، فاكرة إن "المستقبل" بيضحك لها.
على باب المبنى، كانت الصدمة.. جودي كانت واقفة ساندة ضهرها على الحيطة وعاقدة ذراعيها لصدرها ، بنظارتها السوداء وهيبتها اللي تخض. ليز أول ما شافتها، وشها نور وافتكرت إن جودي جاية مخصوص عشانها، فجريت عليها بابتسامة عريضة
"جودي! مش معقول.. إيه المفاجأة دي؟ كنتي تقوليلي وأنا أجيلك لغاية عندك.."
لكن جودي مابصتش لليز أصلاً، وكأنها هوا. عيونها راحت مباشرة لـ كاريلا اللي كانت طالعة ورا ليز، وقالت بنبرة فيها اهتمام حقيقي
"كاريلا.. طمنيني، عاملة إيه النهاردة؟ كنت قلقانة تكون ليلة امبارح أثرت عليكي أو تعبتي من الدوشة."
ليز اللحظة دي حست إن جبل وقع فوق دماغها. "ليلة امبارح؟!".. يعني جودي دعت كاريلا للملهى بتاعها؟ المكان اللي ليز بتحلم بس حد يعزمها فيه؟ الصدمة خلت ليز تقف مكانها زي التمثال، والغيرة بدأت تنهش في قلبها. كانت بتبص لكاريلا بحقد رهيب؛ هي ليه كاريلا بتاخد كل حاجة بالسهولة دي؟ ليه الحظ معاها ؟ الغريري معاها د ودلوقتي جودي—ملكة الجامعة—بقت بتستناها مخصوص؟ في حين إن ليز بتبذل مجهود خرافي عشان بس جودي تفتكر اسمها!
ليز مقدرتش تسكت، وقررت إنها لازم تكسر كاريلا قدام الكل. بدأت تشحن البنات "المؤلفات" من شلتها القديمة، وقالتلهم إن كاريلا "بتتمسكن لغاية ما تتمكن" وإنها سرقت اهتمام جودي منهم ، ده غير ان كونها اخت ليون ونيكس ( محبوبي البنات ) فيه إن
اتفقوا إن واحدة من البنات تنده على كاريلا من ممر جانبي ضيق فيه "سقالة" تصليحات قديمة. وأول ما كاريلا دخلت الممر وهي بتدور على اللي ندهت عليها، كانت ليز واقفة فوق السقالة، وبكل غل، قلبت دلو مية ساقعة مليان طين
المشهد كان كارثي.. كاريلا اتنفضت من الصدمة، المية غرقت هدومها وشعرها، وبقت واقفة بتترعش من البرد والكسوف. ليز نزلت تجري ومثلت الخضة وهي بتقول
"يا خبر يا كاريلا! إيه اللي حصل ده؟ حد وقع عليكي مية؟"
كاريلا وهي بتمسح المية من على وشها، بدأت تدور برعب على شنطتها الوردية، لقتها واقعة بعيد.. ليز شاورتلها بصباعها بابتسامة شمتانة مخبية وراء تمثيل
"يا عيني يا كاريلا.. الشنطة كمان غرقت في الطين.. خسارة، دي شكلها كانت غالية عليكي أوي."
كاريلا بصت للشنطة اللي كانت هدية من مامتها، لقتها بقت عبارة عن كتلة طين وقذارة. في اللحظة دي، كاريلا محستش بس بالإهانة، حست بكسرة النفس. الهمس بدأ يعلى حواليها:
"بصوا شكلها بقى عامل إزاي!"
"دي اللي بيقولوا عليها قريبة الغريري؟ شكلها زي المشردين دلوقتي."
كاريلا شفايفها كانت بتترعش، وعيونها اتملت دموع بس رفضت تنزل قدامهم. كانت بتبص لليز وهي عارفة إنها اللي عملت كدة، بس مكنتش قادرة تنطق بكلمة من كتر الخجل.
انا ليز كانت بتبص لكاريلا بنظرة "انتصار" رخيصة، عيونها بتلمع بشماتة، وكأنها بتقولها
"ده حجمك الحقيقي يا كاريلا.. الطين."
كاريلا ملقيتش قدامها غير إنها تلم بقايا كرامتها وتجري بعيد عن الأنظار، وهي بتطلع تليفونها بإيد بتترعش، ومسحت دموعها وطلبت رقم واحد بس.. ديمتري.
______
كاريلا كانت قاعدة على دكة خشب بعيد شوية عن زحمة الجامعة، لامة نفسها ومستخبية ورا شجرة ضخمة عشان تداري كسرتها ونظرات الشماتة اللي في عيون البنات او فصول البقية.
مسكت المحارم اللي عندها وحاولت تمسح الطين من على الشنطة الوردية، بس كل ما بتمسح، الطين بيعلم أكتر وكأنه بيطبع الوجع جواها. بلعت غصة مرة في حلقها، ودموعها كانت محبوسة ورا كبرياء "الغريري" اللي لسه بتتعلمه.
فجأة، قطع السكون ده صوت فرملة سيارة سوداء فخمة، كاريلا رفعت راسها وعرفت العربية دي من غير ما تفكر.. عربية ديمتري.
اللي نزل من العربية بهيبته المعتادة، قفل الباب بقوة وهو بيعدل قميصه الأسود، ملامحه كانت مزيج من الفضول والضيق؛ مكنش فاهم ليه كاريلا اتصلت بيه هو بالذات وطلبت يجيلها دلوقتي وبسرعة.
أول ما عينه جت عليها، ديمتري اتسمر مكانه. شافها مبلولة، وشعرها عليه بقايا طين، وهدومها متبهدلة. ملامحه اتحولت في ثانية لجمود مخيف، وقرب منها بخطوات واسعة وهو بيسألها بصوت واطي بس حاد
"إيه ده؟ إيه المنظر اللي أنتي فيه ده؟ مين اللي عمل فيكي كدة؟"
كاريلا حاولت ترسم ابتسامة باهتة ومزيفة وهي بتبص في الأرض
"مفيش يا ديمتري.. أنا بس اتكعبلت ووقعت في حفرة مية."
ديمتري رفع حاجبه بسخرية لاذعة، ومال براسه وهو بيبصلها بنظرة "مش عليا الكلام ده":
"وقعتي؟ والله؟ والوقعة دي خلت الطين يجي فوق راسك وبالشكل المنظم ده؟ أنتي فاكراني عبيط ولا لسه مش عارفة أنا بشتغل إيه؟"
سخريته كانت القشة اللي قطمت ضهرها. كاريلا مقدرتش تمسك نفسها أكتر، وانفجرت في العياط وكأنها لقت المبرر اللي يخليها تطلع كل اللي كتماه، وبدأت تحكي له بكلمات متقطعة عن ليز، والدلو، والشنطة الوردية اللي باظت.
ديمتري فضل ساكت تماماً، بيسمع ببرود مرعب، وبعد ما خلصت، سألها بسؤال صدمها
"وطبعاً أنتي وقفتي تتفرجي؟ ليه ماضربتيهاش؟ ليه ماوقعتهاش في الطين هي كمان؟ أو حتى مسكتي راسها وحطيتيها في الحمام؟ أنتي مكلماني عشان أطبطب عليكي ولا عشان أخلص لك الموضوع؟"
كاريلا بصتله بذهول، لسانها اتلجم من طريقته
"إنت.. إنت عايزني أعمل كدة؟ هي دي الطريقة اللي بتتعاملوا بيها؟"
ديمتري رد ببرود وهو بيقرب منها
"متعمليش نفسك متفاجئة، أنتي عارفة أسلوبي كويس.. وبعدين أنا مكنتش بتعامل مع زمايلي كدة، لأني ببساطة مكنتش بسيب حد يوصل للمرحلة دي معايا أصلاً."
بص لشعرها المبلول وتنهد بضيق، خلع الجاكيت بتاعه ولفها بيه بكل قوته وكأنه بيخبيها عن العالم، وسألها
"متأكدة إنك عايزة تسيبي حقك كدة؟"
كاريلا هزت راسها بـ "آه" وهي بتترعش، فهو تنهد تنهيدة طويلة وأمرها
"اركبي.. هوصلك البيت"
كاريلا بدل ما تركب، تشبثت في ذراعه بقوة، ديمتري بصلها بارتباك واستغراب من حركتها المفاجئة دي
"في إيه؟ أنتي بتعملي إيه؟"
كاريلا وهي بتشد الجاكيت عليها
"مش عايزة أروح القصر يا ديمتري.. لو عايزة أروح هناك مكنتش كلمتك أنت."
ديمتري مكنش فاهم، فقطبت جبينها وقالتله بتوضيح
"بابا لو شافني كدة هيقلق، وهو فاكر إني أسعد واحدة في الدنيا.. مش عايزة أكسر فرحته بيا."
ديمتري رفع حاجبه بتهكم
"ويا ترى 'الأميرة المراعية' عايزاني آخدها فين؟ أفسحك بالطين اللي عليكي ده؟"
كاريلا هزت كتافها بدلال طفولي رغم الحالة اللي هي فيها "اتصرف.. أكيد عندك أماكن تانية توديني فيها.. وماتنساش توفرلي لبس بدل اللي اتبل ده."
ديمتري هنا مال براسه وقرب وشه من وشها أوي، كاريلا تراجعت لورا بتوتر وهي لسه ماسكة في ذراعه، وهو بيسألها بهمس مرعب
"هو أنتي نسيتي نفسك تاني؟ ومين قالك إني هساعدك أصلاً أو إني شغال عندك؟"
كاريلا بصتله بصدمة وخيبة أمل، فديمتري نفخ بضيق وفتح لها باب العربية
"اركبي.. هو أنا ناقص؟ مش كفاية عليا بصلح بلاوي ليون وإخواتك، هتطلعيلي أنتي كمان؟"
ركبت كاريلا وهي شادة الابتسامة ، وديمتري رزع الباب وراها ولف ركب مكانه، وهو بيخطط هياخدها فين بعيد عن عيون عيلة الغريري.
_____
ديمتري كان حاسس بقلة حيلة ممرش بيها قبل كدة، خمس دقايق بالظبط وكان جايب لها فستان بسيط تغير فيه هدومها المبهدلة، ورما كيس الهدوم في حضنها وهو بينفخ بضيق، وكاريلا بصتله بضيق مكتوم من تصرفه .
ديمتري في اللحظة دي كان بيسأل نفسه
"أودي المصيبة دي فين؟". لو كان في زمن تاني، كان زمانه خدها لمكان من الأماكن اللي بيخلص فيها حساباته القديمة "بالدم"، لكن دلوقتي الوضع اختلف تماماً.
بصلها بطرف عينه وهي بتبص للفستان بتقييم ، وبعدين دور العربية ومشي في طريق هادي بعيد عن دوشة جنيف، لغاية ما وقف قدام بيت صغير مستخبي في زاوية بعيدة وهادية.
نزلت كاريلا من العربية وهي لسه لافة نفسها بجاكيت ديمتري اللي ريحته كانت محوطاها، وماسكة كيس الهدوم بقوة، وبصت للمكان وسألت
"هو المكان ده إيه بالظبط؟".
ديمتري ماردش، طلع المفتاح وفتح الباب، ودخلت وراه لتلاقي نفسها في مكان غريب؛ البيت كان مظلم، ألوانه داكنة لدرجة كئيبة، وكأنه متصمم لشخص عايز يهرب من العالم والضوء.
كاريلا وقفت قبل ما تتقدم خطوة تانية، وبصت لديمتري بشك وبدأت الأسئلة اللي خلت ديمتري يندم إنه جابها "ديمتري.. هو حد اتقتل هنا قبل كدة؟"
ديمتري بنفي
"لا "
"طيب حد انضرب عليه نار هنا؟ ولا المكان ده مخبأ لمخطوفين؟"
ديمتري تنهد تنهيدة طويلة وكأنه بيفقد صبره، واتجاوزها ودخل لجوه وهو بيقول بجمود
"ده بيتي يا كاريلا.. المكان اللي بنام فيه واعيش فيه"
كاريلا وقفت مكانها مصدومة، مش مصدقة إن الشخص اللي معاه نفوذ الغريري ده بيته، ديمتري بصلها ببرود وقال "لو مش عاجبك، البيت الكبير موجود، وممكن أوصلك دلوقت حالا."
كاريلا تجاهلت كلامه وبدأت تتجول في المكان بفضول، قلعت الجاكيت وحطته على كنبة جلد سوداء، وبصتله بكل براءة وسألت
"فين الحمام؟".
ديمتري اتسمر مكانه وبصلها بذهول
"نعم؟ حمام إيه؟"
كاريلا وهي بتشاور على شعرها اللي اتبلل وتوسخ
"إيه يا ديمتري؟ مش شايف شكلي؟ أنا مستحيل اقعد بالشعر ده ولا هلبس الفستان النضيف على القذارة دي.. أنا لازم آخد شاور."
ديمتري شاور لها بإيده على اتجاه الحمام وهو مش مستوعب جرأتها في بيته، واختفى هو في المطبخ الصغير.
بعد شوية، خرجت كاريلا وهي لابسة الفستان اللي ديمتري جابه، وهي حاسة ببرد خفيف رعش جسمها. بدأت تبص للبيت بتدقيق أكتر؛ مفيش ألوان، مفيش روح، مفيش صور، كل حاجة سوداء ورمادية، وكأن ديمتري عايش في "قبر"
وهي بتلف، سمعت صوته جاي من المطبخ وهو بينبهها
" إياكي تفتحي الادراج اللي جنبك."
طبعاً، الفضول عند كاريلا كان أسرع من تحذيره، كانت أصلًا فتحت الدرج ولقيت مسدس أسود بيلمع مستني مكانه. قفلت الدرج بسرعة ولف لقت ديمتري واقف وراها.
بشهقة مكتومة
"إنت مخبي مسدسات حتى هنا؟ "
ديمتري ماردش عليها، قرب منها ومد إيده بـ كأس قهوة سخنة، ده كل اللي قدر يوفره في بيته اللي مفيش فيه رفاهية. كاريلا خدت الكأس وحاوطته بإيديها الاتنين عشان تدفى، وبدأت تشرب وهي بتبص لديمتري اللي كان واقف بيراقبها بنظرة غامضة، وكأنه بيسأل نفسه إزاي البنت دي قدرت تقتحم عزلته بالشكل ده.
______
كاريلا كانت قاعدة في نص "عالم السواد" بتاع ديمتري، محتضنة كوباية القهوة بإيدها عشان تدفى، وبتاخد منها رشفات صغيرة بمهل شديد، وكأنها بتحاول تطول الوقت على قد ما تقدر. في المقابل، ديمتري كان قاعد قصادها، ساند ظهره على الكرسي الجلد الضخم، حاطط رجل على رجل، وعينيه مثبتة عليها بنظرات باردة.. نظرات حد بيعد الثواني عشان صبره ينفد، مش نظرات إعجاب خالص، إنما نظرات "أنا إيه اللي جاب المصيبة دي بيتي؟".
كاريلا محملتش نظراته دي كتير، وفجأة انفجرت فيه وسألته بحدة
"أنت بتبص لي كدة ليه؟ في حاجة على وشي؟"
ديمتري محركش شعره واحدة، وبنفس الهدوء المستفز سألها
"أنتي ناوية تفضلي هنا لحد إمتى؟"
شهقة استنكار طلعت من كاريلا، وهي تحط الكوباية بعنف شوية على التربيزة وقالت
"نعم؟! هي دي آداب الضيافة عندك؟ بتطردني يا ديمتري؟"
ديمتري مال براسه شوية وقال ببرود
"ومين قال إنك ضيفة أصلاً؟ أنتي قلتي مش عايزة 'البوص' يشوفك مبلولة زي الأرنب عشان ميسألش، ودلوقتي بقيتي زي الفل، وشعرك نشف، وغيرتي لبسك.. قاعدة ليه بقى؟"
كاريلا حست بالاستفزاز، بس بدل ما تقوم تمشي، كورت إيدها وحطتها تحت ذقنها، ومالت بجسمها لقدام شوية، وبصت له بعيون فيها براءة ممزوجة بدلع عفوي، وقالت بخبث
"يعني أفهم من كلامك إنك شايفني حلوة دلوقتي؟"
ديمتري فجأة اتلجم، وارتبك للحظة مكنتش متوقعة منه، حاول يداري ارتباكه بأنه عدل جلسته ورجع لملامحه الجادة بسرعة، وقال بنبرة خشنة
"أنا مقلتش كدة، أنا بتكلم عن الحالة العامة.. بطلي تخيلات وركزي في اللي بقوله."
كاريلا شالت إيدها وضحكت ضحكة هادية، وقالت
"طيب، بما إننا قاعدين، ليه مانتكلمش شوية؟"
ديمتري رفع حاجبه باستنكار
"نتكلم في إيه؟"
هنا كاريلا ملامحها قلبت جد، وسألته بصوت واطي
"هو أنت مجالكش أوامر جديدة من ماريا.. بخصوص إنك تبعد ماما عن هنا؟"
تعبيرات وش ديمتري اتغيرت تماماً، الجمود اللي في عينيه بقى أخطر، ورده كان قاطع وزي السيف
"الموضوع ده قفلناه قبل كدة وقلت لك مية مرة ماتدخليش في اللي مالكيش فيه ."
كاريلا بصت له بتحدي وقالت
" وانا قلتلك مية مرة انه انا مش هسيب الموضوع ده أبدا!"
ديمتري سكت فجأة.. الصمت ساد المكان وبقى أتقل من الضلمة اللي حواليهم، فضل باصص لها لثواني طويلة، وعينيه كانت بتقول كلام كتير هو مش عايز ينطقه.
فجأة، ومن غير أي مقدمات، ديمتري قام وقف زي ما يكون "عزرائيل" قام ينفذ حكم، وبصوت ملوش رجعة أمرها "قومي.. هوصلك البيت، كفاية لحد كدة."
كاريلا اتفاجئت وبصتله بغيظ، وقامت وقفت وهي بتنفض فستانها وقالتله لما شافت اصراره
"ماشي قايمة، خليك في البيت الكئيب ده اللي شكلك بتموت فيه!"، ولسه جاية تخرج افتكرت حاجة"لحظة! هدومي اللي كانت مبلولة.. أنا سبتها في الغسالة عندك."
ديمتري بصلها ببرود تام وهو بيطلع مفاتيح العربية وقال "انسيها.. مش بتقولي انك بقيتي بنت الغريري، يعني مش هتغلبي تشتري غيرها."
كاريلا شهقت بصدمة
"أنت قصدك إنك هترميها؟!"
ديمتري ماردش عليها، وبمنتهى القوة مد إيده وزقها برقة بس بصرامة ناحية الباب، فكاريلا اتنرفزت وزقته هي كمان وقالتله
"خلاص! طالعة طالعة.. متزقش!"
وهما في العربية، السكوت كان سيد الموقف، لغاية ما موبايل كاريلا رن.. كان نيكس.
نيكس كان متعود يرجع معاها بحكم إن "ليون" رجع لعاداته القديمة وبدأ يزوغ من الجامعة، سألها هو فين، وكاريلا ردت بنبرة مليانة تفاؤل مصطنع
"أيوة يا نيكس.. أنا خلصت محاضراتي بدري النهاردة، وأنا في الطريق للقصر خلاص، نتقابل هناك."
ديمتري كان سايق وعينه على الطريق، بس جواه كان عارف الحقيقة؛ عارف المية والطين والكسرة اللي شافتهم، وكان حاسس إن النغمة اللي بتتكلم بيها والابتسامة اللي رسمتها على وشها وهي بتكلم نيكس دي "مزيفة" ووراها وجع كبير. بس فضل ساكت ومابينش أي حاجة لغاية ما وصلوا لباب القصر المهيب.
كاريلا كانت مستاءة جداً منه، ومكنتش عايزة تبص في وشه حتى وهي بتفتح باب العربية عشان تنزل، بس كلامه وقفها مكانه.. ديمتري قال بصوت رخيم وهادي، وكأنه بينقش دستور جديد في عقلها
"اسمعي .. الفلوس تفتح الأبواب، والشخصية تفرض الوقوف احترامًا.. أما قيمتك الحقيقية؟ فهي بتُتقاس بالخوف اللي تزرعيه في قلوب اللي يعادوكي"
كاريلا لفت وشها وبصتله، فكمل كلامه بجمود
"لو سبتي حد يغلط فيكي مرة وعديتيها بحجة إنك 'مسامحة'، هيغلط فيكي ألف مرة تانية.. في عالمنا ده، المسامحة ضعف، والرد القاسي هو اللي بيحمي رقبتك."
كاريلا فضلت باصة لعينه لثواني، وكأنها بتمتص كل كلمة قالها، ماردتش، نزلت من العربية ورزعت الباب وراها، ودخلت القصر وهي بتعيد كلامه في سرها.. الخوف هو اللي بيحمي.