الفصل السابع : فقدان بارد
استيقظت على شعور غريب، ليس نومًا متأخرًا ولا انتعاش الصباح، بل ضباب ثقيل يضغط على جفونها. رفعت يدها ببطء لتفرك عينيها، حركة شبه ميكانيكية، بدون وعي كامل، وكأنها تحاول إزالة أثر النوم من جسم لا يعرف كيف يتحرك بمفرده بعد.
جلست على حافة السرير، قدماها تلمس الأرض الباردة. شعرت ببرودة البلاط تحت قدميها، لكنها لم تشعر بالدفء ولا بالراحة، فقط وعي بالسطح. رفعت يدها لتسحب غطاء السرير، ثم أعادته مكانه، بلا هدف، بلا إحساس.
تنهدت، نفس طويل يخرج بصوت خافت، كما لو أن الهواء نفسه عبء. رفعت رأسها، نظرت إلى الغرفة، كل شيء كما تركته أمس، كل شيء لا يتحرك إلا في ذاكرة مكانه. لم يكن هناك شغف للنظر، ولا فضول للألوان أو الأصوات ، مجرد وجود بلا روح.
تحركت ببطء نحو المطبخ. كل خطوة كانت حركة آلية، قدماها تلامس الأرض بلا إحساس حقيقي. وضعت يدها على الكوب، لم تشرب. رفعت شوكة، لم تضع الطعام في فمها، لم يكن هناك شعور بالجوع، فقط حركة روتينية. كل شيء يتكرر بلا معنى، كأنها تراقب جسدها من الخارج.
جلست على الطاولة، نظرت إلى الفطور، وأدركت أنها لم تعد تعرف ما الذي يجعلها تأكل. كل رائحة، كل لون، كل ملمس… لم يترك أثرًا. كانت فقط مراقبة، صامتة، بلا إحساس، بلا روح.
دفترها القديم كان أمامها ، فقط شاهدت القلم، و لم تكتب كلمة واحدة. الورق البارد تحت أصابعها ذكرها بأن هناك حياة لم تعد ملكها. نظرت إلى الصفحات البيضاء، الصفحات التي كانت يومًا مملوءة بالألوان والكلمات، والآن كانت فراغًا صامتًا، مجرد انعكاس لفراغها الداخلي.
استلقت على الكرسي، رأسها مائل قليلًا، نظرة عابرة إلى النافذة، إلى ضوء الصباح الذي يتسلل برفق بين الستائر. لم يكن يلمس قلبها، لم يكن يحمل أي معنى… لكنه كان دليلًا أن العالم لا يتوقف، حتى لو توقفت هي.
كل حركة، كل نظرة، كل نفس، كانت محاولة للربط بين الوجود والحياة، لكنها مجرد محاولة… لأن روحها، الشغف، اللون، وكل ما كانت تحب، غادرها منذ زمن بعيد. كل شيء كان حياً حولها، إلا هي.بين كل خطوة نحو المدرسة، كان هناك صدى داخلي… صدى لا يسمعه أحد.
القلب، رغم أنه ينبض، كان كغرفة مهجورة: أصوات الصدى تعكس كل شيء فقد، كل شيء لم يُعالج بعد. كانت تشعر بثقل الفقد، بثقل الذاكرة، بثقل العامين الذين مضيا كأنهما سحبوا من روحها كل لون وكل شعور ملموس. الفراغ لم يكن مجرد فراغ، بل مساحة ممتدة من الزمن، حيث تصطف الذكريات كأشباح تتابع كل حركة وكل كلمة.
في المدرسة، كانت الابتسامة على وجهها مثل قناع من ورق شفاف: يراه الجميع، لكنه لا يغطي الفراغ الحقيقي خلفه. الأصدقاء يظنون أنها تجاوزت الصدمة، أن قلبها عاد للحياة… لكن الحقيقة كانت مختلفة. كل كلمة تقولها، كل حركة صغيرة، كل نظرة عابرة، مؤدى تمثيلي لإخفاء الفراغ العميق. لم تكن مجرد ابتسامة مهذبة، بل حركة دفاعية، طقس يومي لتجنب الانهيار أمام من لا يعرفون شيئًا عن الألم الحقيقي.
كان هناك شعور دائم بالمراقبة: ليس من الآخرين فقط، بل من نفسها ف اثنا عشر سنة من حياتها كأنها تنظر إلى جسدها من الخارج. حركة اليد، ميل الرأس، طريقة المشي، كل شيء كان محاولة لملء الفجوة بين العالم الداخلي المظلم، والعالم الخارجي المليء بالحياة التي لم تعد لها أي صلة بها. كل تفاعل اجتماعي كان مرآة تصدر عنها سؤالًا صامتًا: هل ما زلت موجودة، أم أن كل شيء مجرد خيال؟
وفي عمقها، كان هناك صراع لا ينتهي: الرغبة في الاندماج، وفي أن يشعر الآخرون بها كما كانت قبل عامين، ورغبة في الانسحاب التام، في التلاشي داخل فراغها الخاص. كل ضحكة، كل كلمة، كانت محاولة للبقاء على قيد الوجود، رغم أن وجودها أصبح مراقبة صامتة للأحداث، لا المشاركة فيها فعليًا.
وهكذا، كانت تمشي نحو المدرسة، كل خطوة مثل حركة دقيقة على حافة هاوية عاطفية، كل نفس محاولة لإقناع نفسها بأنها قادرة على الاندماج، بينما كل جزء من روحها يعرف الحقيقة:
أنها ما زالت تسافر وحدها، بين الظلال والذكريات، بين ما يبدو وكأنه حياة وما هو فعليًا فراغ ممتد لا حدود له .