سجين في بيتي - صخب الحاضر - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صخب الحاضر

صخب الحاضر

سنوات طويلة من تلك الليلة التي قلبت حياتي رأسًا على عقب، جلست في غرفتي أستعيد صدى الصمت الذي خيّم على البيت بعد رنين الجرس. الزمن مرّ بسرعة، لكنه لم يمحُ تمامًا أثر تلك اللحظات، أثر الخوف والذنب الذي طالما رافقني. اليوم، وأنا عجوز، فتح الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن الخوف هو ما يسيطر عليّ. تسلّل الزائر إلى جانبي، وبيده دفء من الحاضر يذكّرني بأن الحياة تمضي. قبلة على جبيني، وأخرى على يدي، كأنها تقول لي: "لقد نجوت من الماضي، والآن لك أن ترى ما تبقى من صخب الحاضر". لم تستطع عيناي أن تبيّنا ملامحه، لكن أذني انسجمت مع صوته ما إن قال: — "السلام عليكم، كيف الحال؟" هذه أنتِ… زوجة الإبن الأكبر التي تغنّينا بها في المنزل. اعتبرتها ابنة، واعتبرتني أبا. احتلت مكانتها الشق الأكبر من قلبي، رغم قدوم باقي الزوجات مع مرور الوقت. ربما لأن قصصنا تشابهت، أو لأننا تعرّفنا إلى بعضنا في لحظة انكسار واحدة، فبقينا نتكئ على بعضنا دون أن نقول شيئًا. في هذا البيت، حيث لا ينقص الزوار ولا يهدأ الصخب، كنا نعيش وحدةً من نوع آخر… وحدة لا يسمعها أحد. الضحكات تتعالى في الغرف، والأكواب تطرق على الطاولات، والأحاديث تتشابك كخيوط لا تنتهي؛ لكننا كنا نجلس على الهامش، في زاوية لا يلتفت إليها أحد، نراقب الحياة تمرّ من أمامنا دون أن تطالنا. اعتدنا المكوث في الظل، وتزييف الذبول بابتسامة خفيفة لا تُقنع حتى ملامحنا. نتقن الصمت كما يتقن الآخرون الكلام، ونبتلع الإهانة ببطء، كمن يبتلع ماءً مالحًا يزيد عطشه. تلقّينا الكره من الشخص نفسه أي زوجتي؛ أنا جزاء فعلتي في الماضي، وهي ثمن لاختيارٍ لم تختره. اختارها الزوج، فتاةً مطلّقة من عائلة مرموقة، بدل ابنة القرية التي تُرضي العائلة. ابنة القرية التي تنحني عند كل كلمة، التي تُربّى لتكون ظلًّا لا صوتًا، ابنة القرية التي يُسمح لها أن تكون سيّدة غرفة لا سيّدة بيت. ثم جاءت هي مختلفة. فتاة حكيمة، تهوى القراءة، تحمل في عينيها هدوءًا غريبًا لا يشبه هذا المكان. جميلة… لكن جمالها لم يكن في ملامحها فقط، بل في صمتها، في طريقتها في الوقوف، في رفضها أن تنكسر. كانت تعتز بكرامتها كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة، لذلك كانت الألسنة تلدغها من كل اتجاه، كأنهم يحاولون كسر شيء لم يستطيعوا فهمه. كنت أراقبها بصمت، وأرى فيها شيئًا مني، شيئًا كنت عليه قبل أن أُهزم. حرصت على حبّها، على حمايتها في غياب الزوج، على أن أكون لها ذاك السند الذي لم تجده في هذا البيت. لكن كلما حاولت الاقتراب، كان ذنب الماضي يقف بيني وبينها، كجدارٍ لا يُرى، يُذكّرني أنني لست أهلًا للبراءة التي أحاول أن أهبها لها. وفي كل مرة تبتسم لي، كنت أشعر أنني أسرق لحظة لا أستحقها، وأنني مهما حاولت أن أكون أبًا لها، سأبقى في داخلي ذلك الرجل الذي هدم بيته بيده ثم عاد يبحث بين أنقاضه عن دور صغير اسمه الحنان. — "بخير، الله يرضى عليك… كيف حال الأولاد؟" استرسلنا في الحديث ذاته الذي اعتدناه منذ أن غادرت المنزل قبل سنوات طوال؛ حديث يبدو عاديًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته ألمًا مكتومًا، وحسرة لا تُقال؛ كأن الكلمات بيننا تُنطق، لكن معانيها الحقيقية تبقى عالقة في الصمت، غير قابلة للترجمة. خرجت وأُغلق الباب خلفها بهدوء. عندها فُتح في داخلي كتاب الماضي، لكن هذه المرة كان مجرد همس: ذكرى خبر قديم، كان يومًا مشمسًا حين عرفت أنه لا ابن من فتاة الحانة. لم يغيّر ذلك ما حدث في تلك الليلة، لكنه منح قلبي وهجًا من الارتياح فلم يدنس أحد ببراءته. لكن تلك الفرحة لم تمحِ تمامًا وطأة الذنب. فكرت في أبناء الزنا، أولئك الذين يعيشون في مجتمع يلهج بالهمس عن أفعال آبائهم، ويقيسهم بمقاييس لا ترحم. كيف يواجهون نظرات القسوة، وغمزات الناس، والصمت الذي يُفرض عليهم من كل جانب؟ كيف يصرخون بصوت خافت في حياتهم، ليثبتوا أنهم أكثر من مجرد ظرف ولادة؟ تذكرت كل قصة سمعتها، كل حكاية ألمتني؛ أطفال غاب آباؤهم أو أثقلت أفعالهم حياتهم، مجتمع يرفض تقبلهم، وقلوب صغيرة تنهار أمام أحكام الكبار. شعرت بشيء من الراحة لأنني لم ألق طفلًا آخر في هذا الميدان المليء بالتحديات، ولم أضع أحدًا أمام معركة قاسية قبل أن يولد. كان ذلك الصمت الصباحي الذي خيم على الغرفة بعد رحيلها بمثابة مساحة للتأمل.