نجم لمع في عتمة اليل - الفصل السادس : بين الحلم و الواقع - بقلم تسنيم اكاري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم لمع في عتمة اليل
المؤلف / الكاتب: تسنيم اكاري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس : بين الحلم و الواقع

الفصل السادس : بين الحلم و الواقع

كان صباحًا هادئًا على نحو مشبوّه ، هدوء لا يشبه الصباحات التي يركض فيها ياسين ليناديها ، ليذهبا معًا إلى أرض الشمس ، حيث تضحك الذكريات وتلتقي الأقدام بالضوء و النور . لكن هذا الصباح لم يكن له موعد مع الضحك و الفرحة التي ترتسم على وجهيهما ، فياسين لم يأت. في البداية ظنت أنه مريض ، وربما يحتاج إلى رعاية أو رفقة حتى لا يمل ، فقررت زيارته . مضت نحو بيته ، و قلبها يتسارع بلا سبب واضح، وعقلها يحاول أن يصرّ على احتمالات عادية قبل أن يفرض كل من الخوف و القلق وجوده. وصلت و وجدت الباب مفتوحًا لكنه لم يكن مجرد انفتاح بسيط ، بل كأن أحدًا تركه عرضًا ، كأن المكان نفسه يتهيأ لإخبارها بأمرٍ ما ، أمر قد يقلب واقعها رأسا على عقب . نادت اسمه، لكن لم يأتِ صوت الرد فقط الصمت الذي عم المكان كان هو المتكلم الوحيد . تقدمت نحو غرفته، وكل خطوة كانت ثقيلة، كأن الهواء يعيقها و يثقل كاهلها اكثر ، وكأن كل جزء من جسدها يحذرها من الحقيقة . حين فتحت الباب، صدمت. لا شيء يمكن أن يهيئ قلب طفلة لم تشهد الحقيقة المرة لهذا العالم من قبل كما شهدته الان. حبل ملفوف على رقبته، يتأرجح بين السقف والأرضية. لحظة صمت ، لحظة صدمة ، لحظة اختفاء كل ما كانت تعرفه عن العالم. لم تعِ الفتاة شيئًامما يحدث الان و ترددت الصورة الشنيعة في عينيها و اغمي عليها . حلمت بعد ذلك بأنها تبحث عنه، تجول في مكان مهجور، بعيد عن الناس، قريب من الهاوية، حيث الهواء ثقيل والسماء ملوّنة بالرمادي. كان واقفًا هناك، وجهه شاحب ، عيناه زجاجيتان كأنهما تنظران إلى مكان لا تراه هي. نادته بصوت عالٍ، لكن لم يجب. اقتربت منه ، وقلبها يصرخ بلا سبب مفهوم، فاستدار إليها وقال بصوتٍ مثقل: "لقد تعبت… تعبت جدًا." ركضت نحوه، و أمسكت بيده قبل أن يسقط في اللحظة الأخيرة ، و صاحت بكل جوارحها: "لا تفعلها ! ، أيا كان الأمر، أنا معك هنا، ولن أتركك. سأساعدك دائمًا." امتلأت عيناه بالدموع، وابتسم ابتسامة وداع، ثم ترك يدها وسقط في الهاوية. صمتٌ ثانٍ، صمتٌ أعمق، كأن العالم توقف عن التنفس. صرخت، بكت بحرقة حتى انقطع صوتها، وضربت الأرض بقبضتيها الصغيرتين، وكل شيء داخلها انكسر معها. لم يعد هو موجودًا، ولم تعد هي نفسها. استيقظت في المستشفى. ضوءٌ أبيض، حوائط صامتة، و قد وجدت نفسها على سرير غريب. ظنت أن كل ما رأت كان مجرد حلم ، كابوس مزعج يمكن تجاوزه و التغلب عليه . نهضت وركضت نحو بيته، لتجد الناس مجتمعين، يبكون، يحاولون فهم شيء أكبر منهم. قلبها انقبض، وعرفت من النظرات ومن الهمسات ومن ذلك الصوت المليئ بالرعب كان ذلك صراخ أمه و هي تصيح :" ياسين ذهب ولن يعود ". تسنيم عندما سمعت تلك الكلمات لم تستطع فهم معناها :" ذهب ؟! ، إلى أين ؟ و لماذا لن يعود." ثم جاءت الكلمة الوحيدة التي لم يكن يجب أن تُقال لطفلة: "انتحر". شيء ما داخلها احترق، شيء لن يُرمّم أبدًا. ركضت إلى أرض الشمس، و جلست في المكان الذي رسم فيه درعا حولها، وبكت بحرقة كما لم تبكِ من قبل. الذكريات هاجمتها دفعة واحدة: ضحكته، شوكولاته، رسوماته، كل لحظة قال فيها "أنا حارسك"، كلها اختفت أمام عينيها. كانت الوحيدة التي رأت الرحيل أمامها، وكانت الصدمة أكبر من أن تُوصف بالكلمات أو الرسوم. في الأيام التالية، صارت تمشي كمن فقد ظله وروحه. الناس يواسونها، لكنهم لا يفهمون. كانت تمشي في الشارع، عيناها تبحثان عنه دون وعي، تنتظر أن يفاجئها، أن يكون مجرد مقلبا من مقالبه المزعجة المرحة ، و ان يعود حارسًا لها كما وعد. لكن لم يحدث اي شيء من ذلك. وفي الليل، اكتشفت انها فقدت القدرة على الرسم والكتابة ، فحين اقتربت من دفتر رسوماتها، ارتعشت يداها ، بل وعادت لها صورة تلك الليلة المميتة، عادت بها إلى الباب المفتوح، إلى الصمت، إلى الهاوية. . وهناك. نسيت من تكون، وربما كانت حالتها في البدائة قبل أن تقابله ، أفضل من هذه الخراب الذي تركه رحيله.