نجم لمع في عتمة اليل - الفصل الخامس : ظل تحت عينيه - بقلم تسنيم اكاري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم لمع في عتمة اليل
المؤلف / الكاتب: تسنيم اكاري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس : ظل تحت عينيه

الفصل الخامس : ظل تحت عينيه

مضت الساعات، ثم الأيام، ثم ثلاث سنوات كاملة، ثلاث سنوات تبدو قصيرة حين تُعدّ بالأرقام، و لكنها طويلة جدًا حين تُعاش بين طفلين يكبران جنبًا إلى جنب. بلغ ياسين الثانية عشرة، وصارت تسنيم في العاشرة. كبر الجسدان، لكن الأهم أن الذكريات كبرت معهما، تراكمت مثل طبقات خفية لا يراها أحد. عاشا أيامهما بين الرسم والكتابة ، دفاتر مليئة بخطوط غير متناسقة، وأوراق مطوية في الحقائب، وأقلام قصيرة أُنهك رأسها من كثرة الاستعمال. كانا يستمتعان بطفولتهما كما لو أنها كنز مؤقت، خصوصًا بعد أن استعادت تسنيم أملها في الحياة و ان العالم يستحق ان تعيش فيه ان كان لك هدف ،لم تعد تلك الطفلة المنكمشة، صارت تضحك بصوت أعلى، تغضب ثم تصالح العالم بسرعة . صارت للمرة الأولى، طفلة حقيقية مثل باقي الأطفال. لكن… مع أنهما كبرا معًا، كان ياسين فجأة يكبر لوحده. لم يحدث ذلك دفعة واحدة و لم يعلن شيئًا فالتغيّر الحقيقي لا يطرق الأبواب، بل يتسلل بين الاوردة حتى يطال القلب . فصار يضحك أقل ، ليس لأنه حزين دائمًا، بل لأن الضحك صار يتطلب جهدًا. صار يحدق في السماء أكثر، كأنها تحمل إجابات عميقة لا توجد على الأرض. و لم يعد يركض خلفها كما كان،ولا يلوّح بعصاه الوهمية على أنها سيفه. و أحيانًا، حين تناديه، يجيب بصمت قاتم، صمت لا يجرح الروح لكنه يربك العقل . لاحظت تسنيم ذلك قبل أي أحد ، ليس لأنها أذكى، بل لأن القلوب التي تعافت من الكسر تصبح حساسة لأي تصدع جديد . لاحظته… ورفضت تصديقه. جلسا ذات يوم على الحافة المعتادة لسور المدرسة. الحافة التي شهدت أحلامًا كثيرة. هنا قالا يومًا إنهما سيصيران رسامين ، وهنا قالا يومًا آخر إن الكتابة تنقذ الناس. لكن في ذلك اليوم، كان الهواء أثقل. نظر إليها ياسين نظرة باهتة، ليست حزينة تمامًا، ولا فارغة تمامًا، وقال بهدوء أربكها: – " أحيانًا… أتمنى أن أختفي قليلًا." تشنج قلبها لكنه لم يتوقف بل أكمل كلامه كأنه يحاول أن يخفف وقع كلماته: – "ليس من الناس… من نفسي." ابتسمت بسرعة، ابتسامة سخرية متقنة، ذلك النوع من الضحك الذي يخفي الخوف: – " ههه، ما الذي تقوله أيها المزعج؟ منذ متى صرت شاعرًا؟" كلماتها بدت خفيفة، لكن بداخلها كانت ترتعش من الخوف . ابتسم هو أيضًا وقال: – "لا تقلقي، تعرفين أنني مستحيل أن أصبح شاعرًا." ثم أضاف: – "لا تقلقي." قالها مرتين ، ومن عينيه عرفت أنه لم يكن يمزح. بدأ ياسين ينسحب ببطء ، ليس انسحابًا واضحًا، بل اختفاء تدريجي. يغيب عن المدرسة أحيانًا، لا يجيب حين تناديه، ولا يأتي إلى أرض الشمس. وهذا كان كافيًا ليقبض قلبها. كانت تفكر كثيرًا: ماذا يشعر؟ هل هذا ما يشعر به الكبار دائمًا؟ هل النمو يعني أن نصبح أثقل؟ وفي يوم، رأته جالسًا على الرصيف ، حيث نشأت صداقتهما لأول مرة. المكان نفسه، لكن الشخص لم يعد هو نفسه ، كان باهتًا، ينظر إلى الأرض وكأنها تحمل كل أسراره. اقتربت منه، و جلست بجانبه دون كلام فالصمت أحيانًا أصدق من الأسئلة. أخرجت قطعة شوكولاتة من حقيبتها، وقدمتها له قائلة: – "أنا أيضًا أحزن عندما تنكسر أشيائي… لكن الشوكولاتة تهوّن علي." أخذ القطعة، و ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال: – " أجل… إنها لذيذة فعلًا." تنفست قليلًا، ثم قالت بحذر: – "لن تخبرني بما يحدث؟ أنت تعرف أنني لا أريد الضغط عليك… وإن كنت تفكر في امتحان الرياضيات، يمكنني مساعدتك… مع أنني غبية فيها. " ضحك قليلًا، ضحكة قصيرة، ثم قال: – "ليس هذا ما يزعجني." سكت ثم نظر للسماء و أضاف: – "ستعرفين في الوقت المناسب." نظر إليها بجدية غير معتادة: – "لكن أريدك أن تتذكري دائمًا ابتسامتي… لا سكوتي." ضحكت محاولة إخفاء قلقها: – "ما هذا الكلام؟ ، قلت لك إنك صرت شاعرًا." ثم قالت بتذمر مصطنع: – " لقد وعدتني أن ترسم لي صورة البارحة. " نهض وهو يبتسم، أمسك يدها، وبدأ يركض بها وهو يقول: – «فلنذهب إلى أرض الشمس.» ركضت معه، و ضحكا ، لكن في داخلها كانت تعرف و تشعر كأن الوداع كان يمشي بجانبها ، وهي ترفض النظر إليه. حتى أتى ذلك اليوم… اليوم الذي لم يكن كغيره، واليوم الذي لم يعد بعده شيء كما كان.