نجم لمع في عتمة اليل - الفصل الرابع : عالمنا السري - بقلم تسنيم اكاري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم لمع في عتمة اليل
المؤلف / الكاتب: تسنيم اكاري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع : عالمنا السري

الفصل الرابع : عالمنا السري

لم يكن الحي واسعًا، لم يكن جميلًا، ولم يكن يحمل أي وعد بمستقبل لامع، لكنه كان كافيًا ، كافيًا ليصنع طفلان داخله مملكة لا يطالها أحد. شارع جانبي لا تمر به السيارات إلا نادرًا، كومة رمال تغيّر شكلها مع كل يوم، وسور قديم مغطى برسومات الأطفال، بيوت غير متقنة، شموس بسبعة أذرع، ووجوه تبتسم أكثر مما ينبغي. هذه كانت حدود إمبراطوريتهم ، العالم كله، محصورًا في بضعة أمتار، لكنه كان عالمًا يُحتمل العيش فيه. سمّيا المكان أرض الشمس، ليس لأن الشمس كانت ساطعة دائمًا، بل لأنهما أقسما، بجدية أطفال لا تعرف المزاح، ألا يدخله الحزن. قالت يومها وهي ترسم دائرة على الرمل: – "هنا… لا نبكي." أجابها وهو يرفع رأسه من الورقة: – "ولا نسمح للحزن أن يجدنا." لم يسألا نفسيهما كيف سيفعلان ذلك فالأطفال لا يضعون خططًا، هم يصدقون فقط. كانا يهربان إلى هناك بعد المدرسة ،الهروب لم يكن من الواجبات، بل من البيوت و من الأصوات التي ترفع دون سبب، ومن الكلمات التي تُقال ثم تُترك لتؤلم وحدها. يلعبان دور الأبطال الذين سينقذون العالم. قال هو مرة وهو يرسم شخصية بسيف طويل: – "هذا البطل لا يخاف." سألته وهي تراقب يده تتحرك بثقة: – "ولا يحزن؟" توقف لحظة، ثم قال: – "يحزن… لكن لا يستسلم." راقبته الطفلة طويلًا. كيف يرسم وكأنه يعرف إلى أين ستذهب الخطوط، كيف لا يتردد، كيف يثق بيده. وتساءلت بصمت: هل كان يمكنها أن تصير مثله؟ أم أن بعض القلوب خُلقت لتنتظر، لا لتقود؟ كانت تعلم في أعماقها أن هذا العالم، مثل قلبها تمامًا، كلاهما يحتاجان دافعًا ليعيشا. شيئًا يقول لهما: استمرا. كل يوم كانت تعود إلى بيت مليء بالصوت، لكن بلا دفء. صراخ يتردد في الجدران، مقارنات لا تنتهي، ملامح متجمدة وكأن المشاعر رفاهية زائدة. – "لماذا لستِ مثلهم؟" – "انتِ عديمة الفائدة." – "ليتكِ لم تولدي." جمل قصيرة، لكنها كانت تلسع قلبها كالسياط. ومنها تعلّمت، منذ نعومة أظافرها، أن تكتم، أن تخفي الألم، أن تبتسم بينما تتكسر ببطء. لم تكن تبكي أمام أحد فالبكاء يحتاج أمانًا. وكان هو الوحيد الذي يشعر بحزنها دون أن يسأل. كأن الحزن يترك أثره في الهواء حولها، وهو فقط من كان يراه. ذات يوم، رآها جالسة وحدها في أرض الشمس. لا تلعب ، لا تتكلم. ترسم خطوطًا عشوائية على الورق، خطوطًا لا تشبه شيئًا. جلس قربها وقال دون أن ينظر إليها: – "هل أحزنوك مجددًا؟" لم تجبه ، لكن صمتها كان إجابة، والدمعة التي بللت الورقة قالت ما عجزت عنه الكلمات. مدّ إصبعه، ورسم دائرة حولها في التراب. قال بهدوء غريب: – "هذه دائرتك." نظرت إليه باستغراب. – "درعك ضد الحزن." ثم أشار إلى القلم: – "وهذا سيفك." ابتسم ابتسامة صغيرة وأضاف: – "حاربيه، لكن لا تخرجي من الدائرة مهما حدث." لم تفهم ما معنى الكلام الذي قاله لكنها شعرت بشيء يشبه الأمان. وفجأة، رأت ظهره يبتعد يركض بخطوات تسابق الرياح في اتجاه بيتها ، ركض بلا تردد. و عندما وصل طرق الباب بقوة ، قوة طفل لم يتعلم بعد الخوف من الكبار عاقدا العزم على شيئ لا يعلمه حتى ، وحين فُتح الباب ، صرخ مباشرة عندما وجد كلا من والديها يراقبانه باندهاش : – "حتى لو لم تحبوها، لا داعي لأن تقولوا لها ذلك الكلام!" تجمّد الهواء و جعل الصمت من هول اللحظة الامر يبدو غريبا وصلتت تسنيم ووقفت امام الباب تشاهد فقط و نبظات قلبها تخفق بسرعة كبيرة جاعلة ايها في حيرة و لسانها عاجز عن الكلام فقط ابتلعت ريقها و هي تشاهد أول شخص يدافع عنها طوال حياتها. تابع وهو يصرخ، صوته يرتجف لكن لم يتراجع: – "على الأقل حاولوا دعمها! قولوا لها إنها جيدة في شيء! ، قولوا لها ان تكتب لتعبر عما في قلبها، وترسم إن خذلتها الكلمات!" ثم قال، بعينين دامعتين: – "مع أنني متأكد أن الكلمات لن تخذلها، بقدر ما خذلتموها أنتم." عم الصمت في تلك اللحظة لكن فاحت رائحة الغضب ، الغضب الاعمى فرفعت يدها كي تصفع ياسين و هي تصرخ : _ " انا احاول وسعي لن اجعلها متميزة فمن انت حتى تتدخل . " وفي لحظة،تقدمت تسنيم و صفعت مكانه. كان الصوت أعلى من الخوف. قالت، لأول مرة بصوت ثابت: – "آذيتِني كثيرًا، وكنت صامدة… لكنني لن أسمح لك أن تؤذيه أبدًا." في تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم تفهمه من قبل. أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل اختيار شخص أهم منه. نظرت الى والديها و همست قائلة :" رغم صغر سني إلا أنني اعرف اكثر مما تظنان ." ثم أمسكت يد ياسين وعادا إلى أرض الشمس و هي تخطو امامه و تبتسم لاول مرة بثقة مع ان خدها المحمر من الصفعة يؤلمها إلا انها فهمت قيمة كلامه و ان القلم و الورق هما ملاذها . وفي الليل، جلست وحدها ، و امسكت قلمها ، وكتبت في دفترها لأول مرة بعد أن فقدت الأمل. «اليوم تعلمت الكثير. هدفي كان أمامي منذ البداية، كان يناديني باسمي، لكنني كنت بعيدة عنه، لم أمسكه إلا حين قابلت ياسين. عرفت أنه ليس مجرد أخ، بل عائلتي، وهدفي في الاستمرار على قيد الحياة كان بسببه ، فرغم أنه مزعج…إلا انه منارتي.» بعد كتابة هذه الكلمات ، استعاد قلبها شيئًا مفقودًا. حقيقة واحدة ، لم تجرؤ يومًا على إخباره بمشاعرها. وهكذا، مضت الأيام و تسنيم تقاوم الانهيار، ليس لأجل ياسين فقط، بل لأجل ذلك الهدف الصغير: أن تراه يبتسم، كلما رآها ترسم وتكتب. وهذا،في فلسفة الحياة القاسية، كان كافيًا لتستمر في التقدم