بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الرابع والعشرون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع والعشرون بعد المئة

الفصل الرابع والعشرون بعد المئة

" the writer Aridj " . . . استفاق من نومه، لكن عينيه لزالتا ترقدان خلف جفنيه. كان أول ما شعر به هو تلك الخفّة الغريبة التي تسللت إلى صدره، فراغ مباغت.... إحساس لا يُخطئه قلب اعتاد وجودها ..... أين ذهبت؟ لقد كانت هنا…. فتح عينيه فجأة، ونهض من السرير وهو ينادي بصوت يحمل بقايا النوم والقلق /رتيل؟… رتـيييل، فينك؟ نهض بخطوات سريعة، وقبل أن يخرج من الغرفة اصطدم بها. توقفت هي بدورها، ورفعت رأسها نحوه. ابتسم رسيم ابتسامة دافئة وقال وهو يراقب ارتباكها اللطيف /ليش تركضين؟ ضحكت بخفة وبطفولية، وهي تبعد خصلات شعرها خلف أذنها، وقالت /سمعتك تنادي، قلت أشوف وش تبي. ابتسم لها… وكانت نظرته أبلغ من أي حديث. نظرة تحكي قصصًا طويلة؛ قصص محب، عاشق، رجل لم يستأذنه الحب حين دخل قلبه، بل اقتحمه باغته و خطفه دون إنذار، لكنها… كانت أجمل مداهمة في حياته كلها. ابتسمت له بدورها، وسألته بصوت هادئ /وين وصلت؟ رفع رأسه قليلًا، وكأن السؤال أعاده من عالمه الداخلي، وقال بابتسامة خفيفة /لساتني هنا… ثم أضاف بنبرة اھتمام وحنان/أمم، ليش صاحيتي بدري؟ لازم ترتاحين. حركت يدها بلا مبالاة، واستدارت متجهة نحو المطبخ وهي تقول بمزاح /طفشانة. لحق بها بحركة مباغتة، وأحاط خصرها بذراعه، واقترب من أذنها وهمس بنبرة مازحة دافئة /أفا… طفشانة؟ ردت دون أن تلتفت، بصوت يحمل شيئًا من العناد /إيه. طبع قبلة خفيفة على خدها، ثم أفلتها، وتقدم نحو المطبخ وهو يقول بمزاح /تعالي افطري، أحسن من الطفش اللي إنتِ فيه. قالت بشبه انزعاج وهي تلحق به /أشم ريحة طنازة. ضحك رسيم، وجلس يتناول طعامه، بينما دخلت هي وسحبت كرسيًا وجلست بجانبه. صمتت… وبدأت تتأمله. تأملت كل تفاصيله، ملامحه الأجنبية الهادئة، بشرته، عينيه، خطوط وجهه المتناسقة. من يراه للمرة الأولى يستحيل أن يجزم أنه عربي. وأثناء تأملها، أبحرت سفينة أفكارها بعيدًا… بعيدًا في بحار الماضي. لولا رسيم… لما كانت على قيد الحياة. كم ندمت في فترات كثيرة لأنها ورطته معها، لكنها في كل مرة تعود وتدرك أنه لم يقصّر أبدًا. فعل معها ما لم تفعله عائلتها. كان حاضرًا رغم البعد؛ كان الأب، والأخ، والصديق، والحبيب، والزوج… كلهم اجتمعوا في شخص واحد. وضعت يدها على خدها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها. كانت تنظر إليه وكأنها ترى أعظم إنجازاتها، أكبر أحلامها، وكأن كل ما تمنته في حياتها قد تجسد أمامها الآن. رفع رسيم رأسه، فالتقت عيناه بعينيها. كان يعرفهما جيدًا… عينان رماديتان لامعتان، تحملان بين كل رمش ورمش صدقًا لا يُمثّل، ومشاعر لا تعرف التزييف. ابتسم وقال ممازحًا /مضيعة شي بوجهي؟ حركت رأسها، كمن يستفيق من شرود طويل، وابتسمت دون أن تجيب. قال بنبرة ھادئة /رتيل؟ ردت بهمس /سم. قال بعد لحظة صمت، وكأنه يختار كلماته بعناية /سمّ الله على عدوك… إذا رجعت السعودية، راح تجين معي. تغيرت ملامحها فورًا. ارتبك وجهها، وتسلل التوتر إلى صوتها، وقالت بخوف واضح /بس أهلك… كيف راح تكون ردة فعلهم؟ أكيد راح يرفضوني. وقبل أن يتحدث، أسرعت تكمل حديثها، وصوتها بدأ يضعف ، ونبرتها تحمل وجعًا دفينًا /رسيم… ما فكرت بردة فعلهم إذا دخلت عليهم ومعك مرأة ما يعرفونها، وقلت لهم زوجتي، وكمان حامل؟ راح يسألون: مين أهلها؟ من فين جبتها؟ وش راح يكون ردك يا رسيم؟ أنا مستعدة أتحمل أي شي عشانك، مهما سويت ما راح أوفيك حقك، بس… انهارت... انفجرت بالبكاء. نهض رسيم سريعًا من كرسيه، وجثا على ركبتيه أمامها، وأدارها إليه. وضعت وجهها بين كفيها، وارتفعت شهقاتها، وكأن كل مخاوفها قررت الخروج دفعة واحدة. أمسك يديها بلطف، وأبعدهما عن وجهها، وقال بصوت حازم مليء بالطمأنينة /خلاص يا رتيل، لا تسوين بنفسك كذا. حتى لو ما وافقوا من أول مرة، راح يوافقون بالثانية. وإذا ما وافقوا… أنا ما راح أتخلى عنك، فاهمة؟ خَلّي هالكلام في بالك. إحنا مرّينا بالأصعب، مستحيل هالمشكلة الصغيرة تصعّب علينا. كانت تعض على شفتيها محاولة إيقاف شهقاتها، وعيناها تسيلان بدموع متتالية كحبات لؤلؤ. و بصوت باكٍ مكسور /ما أبيك تتخاصم مع أهلك وأكون أنا السبب. اقترب منها أكثر، وضمّها إلى صدره، ويده تمسح على شعرها بحنان، وقال بصوت دافئ مطمئن /راح يكون كل شي تمام، وكل شي راح يعدّي على خير. المهم لا تعبين نفسك، تمام يا عيون رسيم. أومأت برأسها ببطء، بينما داخلها لا يزال خائفًا… مترددًا. كانت تخشى تلك الخطوة القادمة، الخطوة التي ستسيرها مع رسيم نحو المجهول. هل ستكون عائلته كعائلتها؟ أم أفضل؟ أم… أشد قسوة؟ ظلّت بين ذراعيه لحظات أطول مما يحتاج العناق عادة، لكنها كانت بحاجة إلى هذا الأمان، إلى هذا الصدر الذي اعتادت أن تضع عليه كل خوفها دون أن تُسأل. أنفاسها بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا، لكن قلبها… لم يفعل. أبعدها رسيم قليلًا، فقط ليرى وجهها. رفع ذقنها بيده برفق، ونظر في عينيها طويلًا، وكأنه يريد أن يحفظ هذا القلق ليطمسه من ذاكرتها لاحقًا. قال بصوت منخفض، فيه جدّ لم تعهده منه كثيرًا /رتيل… اسمعيني زين. أومأت برأسها دون كلام /أنا ما قررت أرجع السعودية إلا وأنا عارف كل شي ممكن يصير. ما راح أكون متهور، ولا راح أخاف من الخطوة الجاية. اللي بيني وبينك مو نزوة، ولا لحظة ضعف. هذا قراري وانا متمسك فيه ارتجفت شفتاها قليلًا، وقالت بصوت شبه هامس /بس الناس ما تشوف اللي نشوفه إحنا… يشوفون الشكل، الأصل، الاسم... تنهد بعمق، ثم قال بابتسامة هادئة لا تخلو من ثقة /والناس دايم تشوف من برا. أنا ما أحتاج أحد يشوف، يكفيني أنا أعرف. سكت لحظة، ثم أضاف وهو يضغط جبينه بجبينھا /وبالنسبة لأهلي… أنا ما راح أجيبك كأنك شي عابر أو شي أبرر وجوده. راح أجيبك كزوجتي، وكأم ولدي. تجمّدت للحظة عند الكلمة الأخيرة. أم ولدي. وضعت يدها لا إراديًا على بطنها، وكأنها تحاول حماية هذا الكائن الصغير من كل ما قد ينتظره. قالت بنبرة مختنقة /أخاف… أخاف يتأذى بسببّي. أمسك يدها ووضمها بثبات ، وقال بحزم دافئ /ما راح يتأذى. طول ما أنا موجود، لا أنتِ ولا هو راح ينكسر لكم خاطر. ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل صمتًا مثقلًا بالتفكير. رتيل كانت غارقة في داخلها… في صور لماضٍ لم يرحمها، في بيوت أغلقت أبوابها بوجهها، وفي أصوات قالت لها يومًا إنها لا تستحق أن تعيش سعيدة كغيرھا . قطع أفكارها صوته وهو يقول بنبرة أخف مائلة إلى المزاح /ترى أمي مو سهلة… رفعت نظرها إليه. ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال وهو يختار كلماته بعناية /أمي تعصب بسرعة، مزاجها حاد، ويمكن ترفضك من النظرة الأولى… بس قلبها أبيض، أبيض مرّة. إذا عرفت الشخص زين، تحبه بصدق. أنصتت له بتركيز، وقلبها يتأرجح بين الخوف والرجاء. أكمل وهو يغيّر نبرة صوته قليلًا /وأبوي… إنسان واضح، ما يحب اللف والدوران، ما يحب الكلام المخفي والرموز يبغى كل شي قدّامه، صريح.... بس طيب… وأكيد راح يحبك مثل بنته. ارتعشت شفتاها، لكن في عينيها لمعة أمل لم ينم بعد . توقف قليلًا، وكأن اسمًا بعينه يحتاج تمهّلًا أكثر، ثم قال /وأماني… رفعت رأسها بسرعة. تنهد وقال بهدوء صادق /أماني يمكن ما تحبك من أول مرة، وبالذات إذا شافت أنثى ثانية تاخذ مكانها… تعرفين، طول حياتها وأنا قريب منها. خفض صوته أكثر، وأضاف بنبرة واقعية لا تخلو من تطمين /أماني صعب تتقبل الواحد، مو لأنها سيئة، بس راح تتقبلك… يمكن مو بسرعة، ولا بسهولة، لكن بالنهاية راح تتقبلك. ثم شدّ على يدها وقال بثبات /وأنا معك بكل خطوة. اغرورقت عيناها بالدموع مجددًا، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف، بل دموع امتلاء… امتلاء بشعور نادر، شعور أن أحدهم اختارك بوعي، لا شفقة. ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت محاولة المزاح /طيب إذا أمك سألتني اي سؤال عن حياتي ؟ ضحك بخفة وقال /قولي لها الحقيقة . رفعت حاجبها وقالت /كل شيء ؟وإذا ماعجبتھم ؟؟؟؟ هز رأسه بثقة /الباقي علي ....مو لازم يعرفون كل شي من اول مرة ....مو كل شي ينقال ....السر ھو مايجعل المرأة مرأة....ھيك لو لا ؟؟ ضحكت لأول مرة بارتياح حقيقي تذكرت أن ھذه جملة "بلموث " شخصيتها المفضلة في المحقق كونان....بعد ثوان... مالت برأسها على كتفه، وقالت بصوت ھادئ /أخاف أتعلق أكثر… وبالأخير تتخلى عني ... شدّها إليه أكثر، وقال وهو يقبّل رأسها /التعلق ما يخوف… اللي يخوف إنك تعيشين بدون ما تعيشين بصدق .... أغمضت عينيها ربما كانت خائفة… نعم. لكنها، ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تكن وحدها في هذا الخوف. وفي أعماقها، وبين نبضة وأخرى، بدأت فكرة صغيرة تنمو بهدوء..... ربما… هذه المرة، لن تكون النهاية مؤلمة