الفصل الخامس والعشرون: الانعكاسات
بعد مغادرتها المحل، عادت سلمى إلى منزلها في صمت ثقيل. كانت خطواتها كأنها تحمل كل سنوات الألم والغيرة والندم، لكنها لم تجرؤ على الكلام. دخلت البيت، حيث كان الحاج مصطفى جالسًا في مكتبه، أوراقه مبعثرة، عيناه تشعان غضبًا وغموضًا مختلطًا.
وقفت أمامه بصمت. لم تعرف كيف تبدأ، لكنه لم يرفع رأسه. كان يراقبها بعينين حادتين، كما لو أراد أن يقرأ كل جزء من روحها.
قالت بصوت خافت:
— أبي… قابلت ياسين اليوم.
ارتجف الهواء للحظة، ثم هزّ رأسه بلا كلمة.
— وماذا عنه؟
ترددت، ثم قالت:
— عرفت ما حدث لوالده… أعرف كل الحقيقة… وأنا آسفة لما حصل.
لم يحرّك رأسه، لكنه أصدر تنهيدة ثقيلة، ثم قال بغضب كامن:
— آسفة؟ لا يكفي الاعتذار، سلمى. لم يعد هناك آسفون.
أحست بالبرودة تتسلّل في صدرها، لكنها تذكّرت كلمات ياسين، صبره، وعدله، وهدوئه.
— لكنه لم يلومني. قال لي… أنني بريئة من كل شيء.
توقف الحاج مصطفى عن العمل، رفع رأسه، ونظر إليها بعينين تضجّان بالبرود والخطر.
— أين هذا البراءة؟ كل ما يحيط بنا يذكرنا بما حدث. هل تستطيعين أن تتجاهلي دم والدك؟
نزلت سلمى إلى الأرض، دموعها تتجمّد قبل أن تسقط، وقالت بهدوء:
— أنا لا أنسى… لكنني لا أحمل الكراهية. لن أكون جزءًا من الدم والانتقام.
جلس الحاج مصطفى بصمت، يده على وجهه، يتنفس ببطء. لم يكن غضبه تجاه ياسين فقط، بل تجاه نفسه، تجاه الطريق الذي اختاره، تجاه الحُفر التي حفرها بنفسه في حياته وحياة من حوله.
في الجهة الأخرى من المدينة، عاد ياسين إلى محله. جلوسه كان صامتًا، يفكّر فيما حصل، يراجع كل كلمة قالتها سلمى، كل نظرة تبادلها معه. لم يبتسم، ولم يحنّ، لكنه شعر بشيء من السكينة، شيء من السلام الداخلي الذي لم يعرفه منذ سنوات.
جلس وحيدًا، يضع يده على الطاولة، يتأمل الورق والأرقام، لكنه كان يعلم أن اللقاء لم يغيّر الواقع، بل أعطاه وضوحًا جديدًا: الحب الحقيقي أحيانًا يكون صامتًا، الاختيار الصحيح أحيانًا يكون وحيدًا، والقوة الحقيقية تأتي من الثبات… حتى حين يغيب الفرح.
صمت ياسين لم يكن فراغًا، بل مساحة للتفكير، للترتيب، وللبناء من جديد.
وفي الخارج، كانت المدينة تتحرك، لكن قلبه بقي هادئًا… مستعدًا لكل ما سيأتي.