فصل 24: بين الذنب والبراءة
لم يكن ياسين ينتظرها،
لكن حين رآها واقفة عند باب المحل، عرف أن بعض الوجوه لا تحتاج موعدًا لتُربك القلب.
سلمى.
كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها تحملان ثقلًا لا يخص عمرها.
نظر إليها ياسين طويلًا، لا بنظرة عتاب… بل بشفقة ممزوجة بحزن قديم.
شفقة لأنه يعرف، وحزن لأنه يحب.
تقدّمت خطوة وقالت بصوت منخفض:
— كنت أعرف أنك ستنظر إليّ هكذا…
لم يجب. ترك لها المساحة.
تنفّست بعمق وتابعت:
— عرفت ما حدث لوالدك… عرفت الحقيقة كاملة. تأخرت، أعرف، لكني آسفة يا ياسين… آسفة من قلبي.
هنا رفع رأسه، ونظر إليها بثبات لم تتوقعه.
قال بهدوء كمن أنهى حربًا داخله منذ زمن:
— لا تعتذري.
تفاجأت:
— كيف؟
— أنتِ بريئة من كل هذا. لا تحملين ذنبًا لم تصنعيه.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:
— لكنه أبي…
قاطَعها دون قسوة:
— وهو من يجب أن يقف هنا. هو من يجب أن ينظر في عينيّ ويقول: أخطأت.
خفضت رأسها، وارتجفت أصابعها.
— أحيانًا أتمنى لو لم أكن ابنته…
اقترب خطوة، لكن دون أن يلمسها.
— لا تقولي هذا. أنتِ لستِ امتدادًا لفعله، ولا ظلًا لذنبه.
رفعت عينيها نحوه، وقالت بصدق موجع:
— وأنت؟ كيف استطعت أن تنظر إليّ دون كره؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، حزينة.
— لأن الكره لو دخل قلبي، لخسرت آخر شيء بقي لي من أبي.
سكتت، ثم قالت:
— أخاف عليك… أخاف أن يدمّرك هذا الصراع.
ردّ بهدوء:
— الصراع لم يعد معي. أنا اخترت طريقي، وهو اختار طريقه منذ زمن.
ترددت، ثم سألت:
— وهل… ما زلتَ تحبني؟
نظر إليها طويلًا، وكأن السؤال أثقل من الجواب.
ثم قال:
— الحب لا يختفي… لكنه أحيانًا يصمت احترامًا للألم.
سال الدمع في عينيها، لكنها ابتسمت ابتسامة شكر.
— هذا يكفيني.
استدارت لتغادر، وقبل أن تبتعد قال:
— قولي له… إن المال لا يمحو الدم، وإن الندم حين يأتي متأخرًا… لا يغيّر الحقيقة.
هزّت رأسها، ومضت.
وبقي ياسين واقفًا،
يدرك أن بعض المعارك لا تُخاض…
وأن بعض الجراح لا تُشفى، لكنها تُعلِّم.