نهر بلا دماء - الفصل الثالث و العشرين: الغضب - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث و العشرين: الغضب

الفصل الثالث و العشرين: الغضب

لم يعد الغضب عند الحاج مصطفى شعورًا عابرًا، بل حالة دائمة تسبق قراراته وتشوّهها. جلس في مكتبه وحده، الأوراق أمامه بلا معنى، والهاتف يرنّ أكثر مما ينبغي. لم يعد يسمع الأرقام كما كان، بل يسمع اسمًا واحدًا يتكرّر في رأسه بإلحاح مزعج: ياسين. كان نجاحه الأخير إهانة صريحة. ليس لأنه خسر مالًا، بل لأنه خسر هيبته. السوق الذي اعتاد أن يضبط إيقاعه، بدأ يتحرّك خارج قبضته. والأسوأ أن السبب لم يكن لاعبًا جديدًا متهوّرًا، بل رجلًا يرفض اللعب بقواعده. ضرب الطاولة بقبضته وقال بصوت غاضب: "لن أتركه." لكن الغضب حين يقود، لا يُحسن الاختيار. بدأ يتحرّك بسرعة. ضغط على بعض المورّدين أكثر مما يجب، هدد آخرين، ورفع صوته في أماكن اعتاد أن يهمس فيها. لم يعد حذرًا. كان يريد نتيجة، أي نتيجة، ولو كلّفته كشف أوراقه. قال له أحد المقرّبين بنبرة مترددة: "الهدوء أفضل… الرجل لا يستفز." ردّ الحاج مصطفى بحدّة: "الصمت أخطر من الاستفزاز." وفي اندفاعه، أخطأ التقدير. عقد صفقات متسرّعة، وثق في وجوه لا تُوثق، وأدار ظهره لتحذيرات كان سيصغي لها سابقًا. الغضب جعله يظنّ أن المال وحده يكفي لإخضاع الجميع. في المقابل، كان ياسين يتحرّك بعكس ذلك تمامًا. لم يحتفل. لم يتباهَ. كان يعرف أن النجاح حين يُرى كثيرًا، يُستهدف. شدّد الرقابة، أعاد ترتيب العمل، وتجنّب أي توسّع جديد. كان يشعر أن شيئًا ما يتخمّر في الجهة الأخرى، وأن الصدام لم يبلغ ذروته بعد. قال لسعيد بهدوء: "حين يغضب الخصم… يخطئ." حمزة اكتفى بهزّ رأسه. كان يرى الأرقام، ويرى خلفها القلق المتزايد في السوق. بدأت أخبار صغيرة تتسرّب. صفقة فاشلة هنا، نزاع هناك، اسم الحاج مصطفى يُذكر هذه المرة لا بإعجاب، بل بتحفّظ. لم يكن سقوطًا بعد، لكنه كان بداية اهتزاز. وفي إحدى الليالي، جلس الحاج مصطفى وحده، محاطًا بما يملك، وشعر لأول مرة أن المال لا يمنحه الطمأنينة. قال في نفسه بغيظ: "كيف يصبح الثبات أقوى من القسوة؟" لم يكن يعرف أن سؤاله نفسه اعتراف متأخر. الغضب لم يمنحه القوة… بل عجّل بانكشافه. وفي صمت السوق، كانت كفّة الميزان تميل ببطء، دون ضجيج، ودون رحمة.