نهر بلا دماء - الفصل الثاني و العشرين: الانقلاب - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني و العشرين: الانقلاب

الفصل الثاني و العشرين: الانقلاب

بلغ الضغط حدَّه الأقصى، حتى صار كأنه يدٌ غير مرئية تطبق على صدر ياسين. لم يعد الاختناق شعورًا عابرًا، بل حالة دائمة. الموردون يتراجعون، الزبائن يتردّدون، والمدينة كلها تبدو كأنها تراقبه في صمت. كان واضحًا أن هناك من يريد له أن ينهار دون أن يلمسه، أن يُخنق دون أن يُتَّهم أحد. وفي قلب هذا الحصار، حدث ما لم يكن في الحسبان. دخل المحل رجل خمسينيّ بملامح هادئة، لا يوحي بالثراء ولا بالسلطة. انتظر حتى خفّ الزحام، ثم اقترب من ياسين وقال: "سمعت عنك… وعن طريقتك." لم يكن في صوته إعجاب، بل اختبار. جلسا جانبًا، وتحدّث الرجل عن مشروع توزيع واسع كان يبحث له عن شريك لا يساوم على النزاهة. قال جملة واحدة علقت في ذهن ياسين: "نحتاج من لا يربح بسرعة، بل من لا يخون حين يُضغط." لم يُخفِ ياسين وضعه، لم يتجمّل، ولم يطلب شفقة. قال الحقيقة كاملة: التضييق، الخسائر، الضغط الخفي. كان صادقًا إلى درجة جعلت الرجل يبتسم ابتسامة قصيرة. قال له: "لهذا جئت." لم يكن العرض التفافًا ولا صفقة ملوّثة، بل شراكة قائمة على الوضوح. هوامش ربح أقلّ، لكن شبكة توزيع أوسع، وثقة تُبنى لا تُشترى. حلّ لم يولد من التنازل، بل من الثبات. في أسابيع قليلة، تبدّل المشهد. عاد الانضباط إلى البضائع، انتظمت المداخيل، وتحوّلت السمعة التي بناها ياسين تحت الضغط إلى رأسمال حقيقي. لم يكن الإنقاذ وحده ما حدث، بل بداية ثراء متدرّج، أعمق من أي قفزة سريعة. الأخلاق… لم تكن عبئًا. كانت المفتاح. وفي الجهة الأخرى، وصل الخبر إلى الحاج مصطفى. قالوا له إن ياسين لم ينهَر. قالوا له إن المشروع كبر. قالوا له إن السوق يتغيّر. تجمّد لحظة، ثم اشتعل غضبًا. الخطة التي أراد بها أن يُنهكه، انقلبت عليه. ما حسبه ضعفًا، صار بوابة. ضرب الطاولة وقال بحدة: "كيف يخرج دائمًا؟" لم يكن السؤال عن المال، بل عن الرجل. كيف لا ينكسر؟ كيف لا يساوم؟ كيف لا يدخل اللعبة كما يعرفها؟ قال في نفسه بمرارة: "أخلاقه… هي الخطر." لكن الغضب لم يكن سيّده فقط، بل دليله إلى الخطأ. ومع كل درجة يزداد فيها ياسين ثراءً، كان الحاج مصطفى يفقد شيئًا من سيطرته. أما ياسين، فكان يعرف أمرًا واحدًا: أن ما أنقذه لم يكن الذكاء وحده… بل التمسّك بخط لم يسمح لنفسه بتجاوزه. تغيّر ميزان الضغط. وانقلب الاتجاه. لكن الصراع… لم ينتهِ بعد.