الفصل الحادي و عشرين: الضغط
لم يكن الضغط صوتًا واحدًا يمكن تجاهله، بل همهمة مستمرة، كأن الجدران نفسها تضيق ببطء.
بدأ من الخارج، ثم تسلّل إلى الداخل.
في السوق، لم تعد الوجوه مألوفة كما كانت. موردون يعتذرون بلا سبب واضح، زبائن يسألون أكثر مما يشترون، وعيون تراقب دون أن تتكلّم. لم يكن هناك هجوم مباشر، بل إحساس ثقيل بأن شيئًا ما يتحرّك ضده، دون اسم، دون توقيع.
قال له أحدهم في نبرة عابرة:
"الوقت صعب… من لا يُجاري، يُسحق."
لم يردّ ياسين، لكنه سمع الجملة تتردّد في رأسه طويلًا.
في المحل، صار الصمت أطول. العمّال يؤدّون عملهم، لكن القلق يسبق خطواتهم. سعيد يحاول أن يبدو مطمئنًا، وحمزة يُخفي الأرقام أكثر مما يعرضها. لم يعودوا يسألونه عن الخطط، بل ينظرون إليه كمن ينتظر قرارًا لا يريد سماعه.
أما الداخل… فكان أشدّ قسوة.
كان ياسين يجلس وحده ليلًا، يفتح الدفاتر ثم يغلقها دون أن يقرأ. يشعر بثقل في صدره، كأن الهواء نفسه صار أقلّ. لم يكن يخاف الفشل بقدر ما كان يخاف أن يُجبر على أن يصبح شخصًا لا يعرفه.
تساءل بصمت:
ماذا لو لم يكن الصواب كافيًا؟
ماذا لو كانت الأخلاق عبئًا لا سلاحًا؟
راوده الحلّ السهل. لم يأتِ كفكرة كاملة، بل كهمسة: تنازل صغير، تعديل خفيف، خطوة واحدة فقط… ولن يعرف أحد.
لكن كلما اقتربت الهمسة، رأى وجه أبيه.
ورأى أمه صامتة، تنظر دون أن تتكلّم.
ورأى نفسه إن فعلها… غريبًا عن نفسه.
ازداد الضغط من الخارج. إشاعات غير مكتملة، كلام مبتور، نظرات تشكّك. كان يشعر كأن المدينة تضعه في امتحان صامت: إمّا أن تنكسر، أو أن تُقصى.
وفي إحدى الليالي، خرج من المحل بعد الإغلاق، مشى طويلًا دون وجهة. لم يكن يبحث عن حلّ، بل عن تنفّس. وقف تحت عمود إنارة، رفع رأسه قليلًا، ثم أنزله.
قال في نفسه، بمرارة هادئة:
"قد أخسر كل شيء… لكنني لن أبيع نفسي."
لم يكن ذلك قرارًا بطوليًا، بل ضرورة. كان يعرف أن البيع هذه المرّة لن يكون للسلع، بل للحدّ الفاصل بينه وبين من خانوا من قبل.
عاد إلى بيته متعبًا، لم يُخبر أحدًا بما يشعر به. حتى أمه لم تسأله. وضعت له الطعام ومضت. كان ذلك الصمت أثقل من أي خطاب.
نام وهو محاصر،
استيقظ وهو محاصر،
لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا:
الأخلاق لم تكن حلًّا بعد…
لكنها كانت الخطّ الأخير الذي لم يسمح لنفسه بتجاوزه.
والضغط…
لم ينتهِ.