نهر بلا دماء - الفصل العشرون: الشرخ - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العشرون: الشرخ

الفصل العشرون: الشرخ

لم يعد الحاج مصطفى يرى الطريق وهو يقود. كانت المدينة تمرّ أمامه، لكن عقله عالق في تلك النظرة الباردة التي واجهه بها ياسين، نظرة رجل لا يطلب شيئًا ولا يخاف من شيء. ذلك النوع من الرجال لا يُشترى، ولا يُكسر بسهولة. توقّف فجأة عند جانب الطريق. نزل من السيارة وصفق الباب بعنف، ثم ركل أقرب شيء أمامه؛ سلة مهملة انقلبت وتناثر ما فيها. لم يهدأ. ضرب الجدار بقبضته، ثم تراجع خطوة وهو يلهث. قال بصوت عالٍ، كأنه يخاطب شبحًا: "تندم؟ أنا؟" ضحك ضحكة قصيرة، متكسّرة، ثم تابع وهو يهزّ رأسه: "أنت لا تعرف مع من تتكلّم يا ياسين." أخذ يسير ذهابًا وإيابًا، يداه خلف ظهره كما اعتاد حين يفكّر. لم يكن الغضب وحده ما يحرّكه، بل الخوف. الخوف من أن يعود الماضي ويطالب بثمنه، لا في المحاكم، بل في السمعة، في السوق، في المال. تمتم مع نفسه: "كل شيء له ثمن… وأنا أعرف كيف أفرضه." عاد إلى السيارة، هذه المرة أهدأ في الظاهر، لكنه في الداخل كان يخطّط. لم يكن يفكّر في مواجهة مباشرة، فذلك سيجلب الأنظار. كان يفكّر في الضغط، في الخنق البطيء، في الطرق التي لا تترك أثرًا. في الوقت نفسه، كان ياسين يقف في محله، يراقب حركة العمّال والزبائن. لم يشعر بالانتصار، بل بثقل جديد. كان يعلم أن كلامه لم يمرّ مرور الكرام، وأن المال حين يُجرح كبرياؤه، يصبح أخطر. قال في نفسه: "الطريق الذي اخترته لن يكون سهلًا." لم يكن بين الرجلين اتفاق، ولا هدنة. كان بينهما شيء أعمق: صراع بين مالٍ اعتاد أن يسحق، ورجل قرّر أن لا يُسحق. وهكذا، دون إعلان، بدأ الشرخ. شرخٌ لن يُرى في البداية… لكن ما يتسلّل عبره، سيغيّر كل شيء.