نجم لمع في عتمة اليل - الفصل الثالث : انا حارسك - بقلم تسنيم اكاري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم لمع في عتمة اليل
المؤلف / الكاتب: تسنيم اكاري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث : انا حارسك

الفصل الثالث : انا حارسك

كانا يلعبان خلف البقالة، في ذلك الركن المنسي من الحي، حيث لا يصل صخب الكبار ولا قوانينهم الثقيلة. خلف البقالة تحديدًا، لا أمامها. لأن الأمام كان واقعًا، والواقع لا يصلح للأحلام. هناك، بين الجدار المتشقق وصناديق الخشب الفارغة، كان العالم أوسع من الشارع كله. يصنعان بيوتًا من الكراتين، كراتين مهترئة مرّ عليها السكر والدقيق والعلب المعدنية،جلست الطفلة على الأرض، تمسك قطعة كرتون كبيرة وتقول بجدية مدهشة: – "هذا بيتنا… لا، هذه قلعتنا ." نظر الطفل إلى الكرتون، ثم إلى الجدار المتشقق خلفه، وهز رأسه بحكمة طفل يعرف كل شيء: – "قلعة طبعًا. البيوت العادية يسكنها ناس عاديون." – "ونحن؟" ابتسم وهو يثبت الكرتون بحجر صغير: – "نحن أبطال, والأبطال لا يعيشون مثل الجميع." ضحكت، ضحكة قصيرة، ثم سألت وهي ترسم بابًا غير متساوٍ: – "وفي أي مملكة نحن؟." توقف قليلًا، كأنه يختار اسمًا خطيرًا: – "مملكة لا يدخلها الكبار." قالتها بدهشة صادقة: – "أبدًا؟! ." – "أبدًا, الكبار يفسدون السحر." سكتت لحظة، ثم أومأت موافقة،الأطفال يفهمون هذه الحقيقة باكرًا. كانا يتحدثان عن مغامراتهما وكأنها وقعت فعلًا. قالت وهي تشير بعصا خشبية: – "هناك تنين خلف الجبل." تراجع خطوة وقال بصوت خافت: – "لا تخافي، أنا أعرف هذا النوع… يخاف من الشجاعة." – "وماذا عن الأشباح؟" اقترب أكثر وقال بثقة مبالغ فيها: – "الأشباح لا تؤذي من يضحك في وجهها." ثم أضاف بعد تفكير: – "لكن لو اقتربت… سأصرخ." ضحكت، وقالت: – "أنا أيضًا." قد تكون تلك الكراتين مجرد اشياء تافهة ،لكن في عيونهما لم تكن نفايات، بل جدران قلاع، وأسقف ممالك، وأبواب تؤدي إلى عوالم لا يجرؤ أحد على دخولها سواهما. كانا يعرفان جيدًا أن هذه البيوت لن تصمد أمام المطر، لكن الطفولة لا تخاف من الزوال، هي تعيش اللحظة وكأنها خالدة. يتحدثان عن ممالك سحرية يعيشان فيها وحدهما. وحدهما… لا لأنهما يكرهان الآخرين، بل لأن العالم حين يضيق، لا يبقى فيه مكان إلا لشخص واحد تمسك يده وتقول له: "تعال هنا، هنا آمن." في تلك الممالك كانا أبطالًا في كل مغامرة، ليس لأنهما شجعان فعلًا، بل لأن الخوف حين يُشارك، يتحول إلى لعبة. يحاربان التنانين، والتنين لم يكن سوى فكرة الشر التي لا يفهمانها بعد، ذلك الشيء الغامض الذي يؤلم دون سبب واضح. ويهـربان من الأشباح،اشباح لا تُرى، تشبه كثيرًا الحزن حين يأتي بلا صوت.ويبحثان عن الكنز، والكنز لم يكن ذهبًا، بل وعدًا صامتًا بأن النهاية ستكون جميلة، حتى لو لم يعرفا كيف.وفي كل مرة كانت الطفلة تغضب أو تحزن،لم يكن يسألها لماذا. الأطفال لا يطالبون الحزن بتبرير نفسه.كان يركض نحوها فقط، ركضًا صادقًا، بلا حساب للكرامة أو المسافة،يرفع عصا صغيرة، عصا عادية، لكنها في يده كانت سيفًا،وفي صوته كانت تعويذة ،يقول: "أنا حارسك، ممنوع أن يقترب الحزن الشرير منك." جملة بسيطة ،لكنها تحمل فكرة عميقة جدًا، أن هناك من يرى حزنك كعدو، لا كجزء منك. و أن هناك من يختار الوقوف في صفك، حتى ضد مشاعرك نفسها. كانت تضحك رغما عنها،ضحكة تبدأ مترددة ثم تستسلم.وتصدّق فارسها الأمين،لأن التصديق أحيانًا ليس غباءً، بل حاجة. كانت بحاجة لأن يكون هناك من يحرسها، ولو بكذبة جميلة. وجهه كان يصنع شعورًا غريبًا لم تعرفه من قبل. شعور لا اسم له في قواميس الأطفال ،ربما كان الأمان. ذلك الإحساس النادر الذي لا يُشرح، بل يُعاش.وصوته كان يخفف عنها الألم،ليس لأنه يملك حلًا،بل لأنه لم يتركها وحدها مع وجعها.ولأول مرة شعرت أنها ليست وحيدة ،وهذه ليست جملة عابرة. الشعور بعدم الوحدة هو أول ضوء حقيقي في حياة أي إنسان.شعرت أن العالم ليس كله ظلمة،ليس لأن الظلمة اختفت، بل لأن الظلمة حين تُواجه بيدٍ أخرى، تفقد سطوتها.طالما هناك يد تمسك يدها الصغيرة حين تخاف،فالعالم مهما كان قاسيًا،يبقى محتملًا. وهكذا، دون أن يعلما،كانا يتعلمان أهم فلسفة في الحياة: أن البطولة ليست في قتل التنانين، بل في الركض نحو شخص حزين، ورفع عصا صغيرة،والقول بثقة طفل: أنا هنا.