كيف نعالج أنفسنا ؟ - الفصل السادس عشر | روايتك

اسم الرواية: كيف نعالج أنفسنا ؟
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

لم يكن سند يبحث عن شيء. كان فقط يرتّب أغراض أبيه… أو هكذا أقنع نفسه. الغرفة ما زالت تحتفظ برائحته، الكرسي في مكانه، الساعة المعلقة توقّفت عند نفس التوقيت، وكأن الزمن قرّر أن يحترم الغياب. فتح درجًا قديمًا في الخزانة، لم يكن فيه مال، ولا أوراق مهمة، بل أشياء بسيطة: مسبحة، دفتر صغير مهترئ، وظرفٌ أصفر أُغلِق بعناية. شدّه الظرف دون سبب واضح. أمسكه، تردّد قليلًا، ثم فتحه. كان بخط أبيه. جلس سند على الأرض دون أن يشعر، وقلبه يسبق عينيه. «ولدي سند… إن قرأتَ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني رحلت، وأرجو أن أكون قد رحلتُ بسلام.» توقّف سند. أعاد قراءة السطر. تنفّس. «لا أكتب لك لأحزنك بل لأُطمئنك. الموت يا بني ليس نهاية، هو انتقال… والخوف ليس منه، بل مما قبله.» ارتجفت يده قليلًا. «أعرف أنك قوي، لكن لا تجعل القوة تُقسي قلبك. وابكي إن احتجت، فالدموع لا تُنقص الرجولة، بل تُنقّي الروح.» ابتسم سند رغم الدموع. «إن سألوك يومًا: ماذا ترك لك أبوك؟ لا تقل مالًا، ولا بيتًا، قل: ترك لي طريقًا واضحًا.» رفع رأسه، وكأن أباه أمامه. «يا بني، الدنيا ستخدعك، ستُعطيك ثم تأخذ، وستُضحكك ثم تُبكيك. فلا تجعلها أكبر من قلبك، ولا أصغر من حقيقتها.» «أكثر ما ندمتُ عليه في حياتي، أشياء أخّرتها… توبة، كلمة طيبة، دعاء في وقته.» هنا توقّف سند طويلًا. كم مرة قال: لاحقًا؟ «إن أردتَ وصية واحدة، فخذ هذه: 《لا تنم وبينك وبين الله شيء.》 سقطت دمعة على الورقة.. «الصلاة يا ولدي… ليست واجبًا ثقيلًا، هي لقاء. فإن ثقلت عليك، فراجع قلبك لا وقتك.» «وإن ضاقت بك الدنيا، فلا تشكُ للناس كثيرًا، فالقلوب مزدحمة. اشكُ لله… فهو لا يملّ السماع.» «سامح، حتى إن لم يُعتذر لك. ليس لأنهم يستحقون، بل لأن قلبك يستحق الراحة.» أغلق سند عينيه. «وأخيرًا… إن رأيتني يومًا في قبرٍ وحدي، فاعلم أنني لست وحدي. معي عملي، ومعي دعاؤك إن لم تنسني.» «لا تنسَ أباك من دعائك، فما بقي لنا بعد الرحيل إلا ما يصلنا منكم.» «أحبك… ولم أكن أجيد قولها كثيرًا.» .ما إن أنهى سند قراءة السطر الأخير… حتى خانته قوته. لم يبكِ فورًا، كأن قلبه رفض التصديق أولًا ثم فجأة… انفتح كل شيء دفعة واحدة. سقطت الرسالة من يده ووضع كفّه على صدره كأن الألم خرج من الورق ودخل قلبه مباشرة. جلس أرضًا، وظهره إلى الجدار وضمّ ركبتيه ليس ضعفًا… بل لأن الحزن حين يثقل يبحث عن شكلٍ يحتضنه... تذكّر صوته، طريقته في النداء، وصيته البسيطة التي كان يكررها دون أن يسمّيها وصية. قال بصوت مكسور: كنتَ هنا… كيف صرتَ كلمات؟ بكى. بكاءً صامتًا بلا شهقات بلا ضجيج دموع تنزل ببطء كأنها تعتذر. شعر لأول مرة أن اليُتم ليس فقدان أب، بل فقدان السند حين تحتاجه ولا تجده. ضغط الرسالة إلى صدره كأن الحروف قادرة على تعويض الغياب كأن الورق دافئ. قال في نفسه: يا الله… لو كان يعلم كم نحتاجه بعد رحيله. ثم توقّف فجأة، وكأن فكرة ضربت قلبه. بل يعلم. هدأ قليلًا ليس لأن الحزن انتهى بل لأنه تعب... مسح وجهه ونظر إلى السماء من النافذة وقال: إن كانت هذه وصيته… فلن أخذله. لم يَعِد نفسه بالكمال، ولا بالقوة، وعد نفسه فقط أن يحاول. أن يصلّي حين يكسل أن يتوب حين يخطئ أن يدعو لأبيه كلما ضاق صدره. نهض متثاقلًا لكن خطواته لم تكن فارغة كان فيها شيء جديد… مسؤولية ممزوجة بالحب. ومنذ تلك الليلة، صار سند كلما ضعف تذكّر أن هناك من سلّمه قلبه أمانة ثم مضى..... ملاحظة : إنها ليست رواية تقرأها .....بل نمط حياة وحقيقة يجب عليك إدراكها .......راجع نفسك ....~~~~~♡