الفصل الثلاثين
أشرقت شمس أول يوم جامعة، ومعاها بدأت كاريلا فصل جديد ومختلف تماماً في حياتها. ركبت العربية السوداء الفخمة وهي حاسة إن قلبها هيقف من كتر التوتر والحماس اللي متجمعين مع بعض في وقت واحد. كانت قاعدة في النص بين ليون ونيكس، وإيديها متبتة في شنطتها الوردية الجديدة وكأنها بتستمد منها القوة.
العربية كانت ماشية بهدوء في شوارع جنيف، ولما بدأت مباني الجامعة تظهر من بعيد، كاريلا لزقت وشها في الشباك وبدأت عينيها تلمع. الجامعة كانت عبارة عن تحفة معمارية عريقة، مباني ضخمة من الطوب الأحمر بتفاصيل كلاسيكية فخمة، وبوابات حديد عملاقة بتدخلك لعالم تاني خالص.
الساحة اللي قدام المبنى كانت عبارة عن مساحات خضراء واسعة متوزع فيها طرابيزات بيضاء شيك، والطلبة ماليين المكان وحيويتهم واصلة لعندها.
ليون كان بيبص لها باستغراب وحيرة، وهز راسه وهو بيقول بصوت واطي
"يا اختي اهدى شوية! إنتي هتموتي من الحماس؟ ده أنا في أول يوم ليا في الجامعة كنت بفكر إزاي أهرب وأروح أنام، عمري ما شفت حد فرحان بالدراسة كدة!".
أما نيكس، فكان بيبص لها بطرف عينه وابتسامة خفيفة وراقية مرسومة على وشه وهو مراقب تعبيرات وشها الطفولية، وكأنه مستمتع جداً بالطاقة الإيجابية اللي كاريلا مالي بيها المكان.
أول ما العربية وقفت ونزلت كاريلا، حست إن رجليها مش شايلاها. بدأت تتقدم بخطوات مهزوزة وهي ضامة شنطتها الوردية لصدرها بقوة، والجو حواليها كان زحمة وأصوات ضحك ومناقشات بين الطلبة الجدد والقدم . كانت ماشية في النص بين ليون ونيكس، وهيبتهم وطلتهم كانت كفيلة تخلي كل الأنظار تتوجه ليهم. الطلبة بدأوا يتهامسوا ويتساءلوا
"مين البنت الرقيقة اللي ماشية مع ولاد الغريري دي؟".
بس كاريلا مكنتش حاسة بأي حد حواليها، كانت في عالم تاني خالص، ماشية وعينيها شاخصة في المباني والسقف المرتفع ووشها عليه ابتسامة بلهاء من كتر الانبهار. نيكس لما لقاها ماشية "سايحة" في ملكوت الله ومش واخدة بالها من الطريق، مد إيده براحة وبدأ يوجهها ويمشيها معاه عشان متخبطش في حد. كاريلا لما فاقت لنفسها، ضحكت ضحكة محرجة جداً ووشها بقى زي الطماطم من الكسوف.
وصلوا أخيراً للقاعة الكبرى أو "المدرج" اللي هيتعمل فيه خطاب اليوم الأول. أول ما دخلت، وقفت مذهولة من فخامة المكان. القاعة كانت عملاقة ومصممة بالكامل من الخشب الفاخر اللي مديها هيبة غير طبيعية. الكراسي كانت مرصوصة بنظام دائري مهيب ومقسمة لأدوار، والإضاءة كانت مدروسة بعناية بحيث تبرز جمال التصميم الخشبي للسقف والجدران، وكأنها في دار أوبرا عالمية مش مجرد قاعة محاضرات. قعدت كاريلا في مكانها وهي لسه متبتة في شنطتها، ومستنية اللحظة اللي هيبدأ فيها حلمها رسمياً.
بدأت الأجواء تزداد وقاراً وهيبة مع دخول أساتذة الجامعة بملابسهم الأكاديمية الرسمية، يتقدمهم السيد نادمير، مدير الجامعة، اللي كان له حضور طاغي يخليك تحس إنك قدام شخصية بتمتلك مفاتيح الحكمة. كاريلا كانت بتبص حواليها وهي مذهولة؛ المدرجات الضخمة، الأساتذة بملامحهم الجدية، ونظرات الحماس والترقب في عيون الطلاب.. كل ده كان عالم مختلف تماماً عن هدوء الثانوية أو حتى صخب قصر الغريري. ده العالم اللي كاريلا اختارت تبني فيه نفسها.
السيد نادمير وقف ورا المنصة الخشبية الفخمة، عدل نضارته وبص للجمهور بنظرة شملت المدرج كله، وبدأ خطابه بصوت رخيم وقوي هز جدران القاعة
"أبنائي وبناتي.. جيل المستقبل الواعد..
أهلاً بيكم في بيتكم التاني، في الصرح اللي مش بس هيديكم علم، ده هيبني شخصيتكم. النهاردة وأنتم واقفين على أعتاب أول يوم جامعة، لازم تدركوا إنكم بقيتوا جزء من حاجة أكبر بكتير من مجرد مدرج وكتاب.
إحنا هنا النهاردة بنرحب بيكم كلكم.. بنرحب بمهندسين المستقبل اللي هيبنوا ويعمروا، وبخبراء الاقتصاد اللي هيديروا عجلة العالم، وبالمحامين اللي هيصونوا الحقوق. وقبل كل ده، بنرحب بملائكة الرحمة الجدد، طلاب كلية الطب، اللي اختاروا أصعب وأسمى طريق ممكن إنسان يمشيه.
يا شباب، الجامعة مش بس دراسة وامتحانات، الجامعة هي المكان اللي هتعرفوا فيه قيمة المسؤولية. للوافدين الجدد اللي جايين وقلبهم بيدق من القلق، بقولكم: اطمنوا، الخوف ده هو أول خطوة في طريق النجاح. هنا هتتعلموا إن المعلومة قوة، وإن العمل الجماعي هو اللي بيصنع المعجزات.
لأبنائي في كلية الطب بالذات.. أنتم النهاردة بتعاهدونا على حماية أغلى ما يملكه الإنسان، وهي حياته. مش هتتعلموا بس إزاي تعالجوا المرض، هتتعلموا إزاي تحسوا بوجع المريض قبل ما تلمسوا جرحه. الطب أمانة، والجامعة دي هتحول الأمانة دي لرسالة تعيشوا بيها العمر كله.
أما في التخصصات التانية، فأنتم العقل المدبر اللي هيخلي مجتمعنا يتحرك لقدام. مفيش تخصص أهم من التاني، كل واحد فيكم هو ترس في ماكينة النجاح دي. استغلوا كل دقيقة هنا، اسألوا، ابحثوا، واغلطوا عشان تتعلموا، لأن هنا بس مسموح لكم بالغلط عشان برا مفيش مجال غير للاتقان.
انطلقوا في رحلتكم، وخلوا طموحكم ملوش سقف. إحنا هنا عشان نساعدكم تكونوا أحسن نسخة من نفسكم.
وأهلاً بيكم في عامكم الدراسي الجديد.. وبالتوفيق للجميع!"
أول ما السيد نادمير قفل كلامه، القاعة كلها انفجرت بصوت تصفيق حاد، لدرجة إن كاريلا حست إن الأرض بتهتز تحت رجليها. التصفيق مكنش مجرد تشجيع، ده كان إعلان لبداية حياة جديدة. كاريلا كانت بتصقف وهي مبتسمة بدموع في عينيها، وحاسة إن كل كلمة قالها المدير كانت بتديلها طاقة وقوة مكنتش تعرف إنها عندها.
_____
بعد ما الخطاب خلص، كاريلا بدأت تلف في الجامعة مع ليون ونيكس عشان يساعدوها تتعرف على المكان اكثر وفي نص الجولة، شوية شباب نادوا على ليون، وشكله كان موضوع يخص "شلة" قديمة، نيكس بص لكاريلا بقلق وخاف تضيع وسط الزحمة دي، بس هي طمنته بضحكة رقيقة وطلعت له ورقة من شنطتها
"متقلقش يا نيكس، معايا خريطة الجامعة، روحوا أنتم وأنا هكمل لفتي وهروح ناحية فرع الطب."
كاريلا فضلت ماشية ومنبهرة بكل ركن، لغاية ما دخلت المبنى المخصص لكلية الطب. وفي وسط الطرقة الطويلة، وقفت فجأة وكأن الزمن وقف بيها.. قدامها كانت ليز. ليز اللي كانت ماشية بتضحك بصوتها الرقيق مع شوية بنات، أول ما عينيها جت في عين كاريلا، الضحكة اختفت واتبدلت بصدمة خلت وشها يصفر.
ليز كانت فاكرة إنها خلاص قضت على مستقبل كاريلا لما استغلت نفوذها وسحبت منها المنحة، ومكنتش تتخيل أبداً إن البنت اللي حاولت تكسرها واقفة قدامها دلوقتي في نفس الجامعة وبكل ثقة.
ليز طلبت من البنات يسبقوها، وتقدمت ناحية كاريلا وهي بتحاول ترسم على وشها ابتسامة مزيفة ودهشة مصطنعة
"كاريلا؟ مش معقول! إيه المفاجأة دي؟ أنتي بتعملي إيه هنا؟ أنا سمعت إن المنحة بتاعتك اتلغت.. قولت أكيد زمانك دلوقتي بتقدمي في معهد تمريض بسيط ولا حاجة."
كاريلا، اللي كانت حاسة بقوة "الغريري" بتجري في عروقها، بصت لها ببرود وهدوء مرعب، وجاريتها في الكلام بابتسامة ناعمة
"تمريض؟ لا يا ليز، أنتي عارفة طموحي أكبر من كدة بكتير. وبعدين ليه مندهشة أوي كدة؟ أنا طول عمري بقول إني هدرس في الجامعة دي، والظاهر إن أحلامي بتتحقق أسرع مما كنتي تتخيلي."
ليز بارتباك واضح
"أها.. طبعاً.. بس يعني، الجامعة دي مصاريفها خيالية، والمنحة اللي كانت معاكي.. قصدي يعني، مين اللي دفع لك كل ده؟"
كاريلا وهي بتعدل شنطتها الوردية وبتقرب منها خطوة "مش مهم مين دفع يا ليز، المهم إني بقيت هنا، وموجودة معاكي في نفس الدفعة.. وبما إني كنت الأولى في الثانوية، فغالباً هفضل الأولى هنا كمان. المفروض تفرحيلي ولا إيه؟"
ليز ارتبكت تماماً، وبدأت تفرك في إيديها
" بالتوفيق ..."
كاريلا وهي تسير وتتخطاها
" لينا الاثنين ..."
______
كاريلا أول ما بعدت عن "ليز" وراحت في ركن هادي، مقدرتش تقاوم الهزة اللي في جسمها؛ قعدت جلسة القرفصاء وهي ساندة ضهرها على الحيطة، وبدأت تاخد أنفاس عميقة وسريعة وكأنها كانت كاتمة نفسها طول المواجهة. مكنتش مصدقة إنها أخيراً ردت عليها، إن "كاريلا الضعيفة" ماتت، وإن ليز دلوقت عرفت حجمها الحقيقي وعرفت إن سحب المنحة مكسرهاش، بالعكس، ده خلاها أقوى بكتير.
وهي في قمة لحظة الانتصار الداخلي دي، سمعت صوت خطواتهم السريعة وصوت ليون وهو بينادي عليها بضيق طفولي، ونيكس اللي كان صوته فيه نبرة قلق واضحة وهو بيدور عليها في الطرقة. في اللحظة دي، كاريلا حست بامتنان ملوش حدود؛ إخواتها اللي مكنتش تتخيل وجودهم، بقوا هما السند والحصن اللي بيخليها تمشي وسط أي حد وهي رافعة راسها.
اتنفضت من مكانها بسرعة، ومسحت أي أثر للتوتر، وأول ما شافوا وشها، ضحكت ضحكة صافية من قلبها. راحت لعندهم "واتعلقت" في ذراع ليون من ناحية وذراع نيكس من الناحية التانية، وبدأت تمشي وسطهم وهي طايرة من الفرحة، وكأنها بتقول للعالم كله: "أنا مابقتش لوحدي".
_______
في أروقة شركة الغريري، كانت فاي واقفة بتركيز تام بتتفحص بعض الملفات، ملامحها الجدية كانت بتعكس ذكاءها، لكن أول ما لمحت كاسبار معدي من جنبها، سابت الملفات فوراً وكأنها بتستعد لمواجهة من نوع خاص. كاسبار قرب منها وبنبرة فيها فضول مغلف بالهدوء سألها عن أحوال "قريبها".
فاي، بذكائها المعهود، لقطت الإشارة فوراً؛ عرفت إنه يقصد لقاءهم المفاجئ في المستشفى اللي مكنش مترتب له. ردت ببرود وثبات
"بخير، شكراً لسؤالك."
كاسبار فضل باصص لها لثواني، نظرة كان فيها كلام كتير لسه مقالش، لكن نداء واحدة من الموظفات في قسمه قطع اللحظة. انسحب كاسبار بهدوء، وفاي اكتفت بإيماءة احترام رسمية، لكن عينيها فضلت مراقبة طيفه وهي بتتساءل: كاسبار عرف قد إيه؟
في مطعم "لو بريكول" - جنيف
بعيداً عن أجواء المكاتب، وفي ركن معزول بيطل على البحيرة، كان ماركوس قاعد قصاد كيرت. الجو كان مشحون بوقار المافيا وذكاء رجال الأعمال. ماركوس كان بيشرح بلهجة حاسمة ليه الشراكة دي هي "طوق النجاة" لعيلة كيرت:
الحماية: "المعلومة في عالمنا رصاصة يا كيرت، واللي بيعرف كتير بيبقى أول هدف.. الغريري مش بيديكم فلوس، إحنا بنديكم اسم وحصانة تخلي أي حد يفكر يقرب منكم يراجع حساباته ألف مرة."
السيطرة: "معانا، إنت مش مجرد بياع معلومات، إنت بقيت المصدر الوحيد الموثوق. مفيش صفقة هتتم من ورا ضهرنا، ومحدش هيتجرأ يسرق شبكتكم."
القوة التنفيذية: ماركوس ابتسم ببرود وهو بيكمل "الخلاصة.. أنتم العقل وإحنا العضلات. أنتم بتسلمونا المعلومة، وإحنا بنسلم الرصاصة للي يستحقها."
كيرت ابتسم وهو بيصافحه ، شراكة زي دي واللي قريب يتعلن عليها مش سهل يضيعها خصوصا انه بقى مرتاح من كل الجوانب .
بينما العالم كله، وبما فيهم فؤاد وديمتري، مصدقين إن "إيميل" فص ملح وذاب وهرب بسبب خطأ رجالة ديمتري ، كانت الحقيقة صادمة وموجودة في عقل ماركوس وبس.
إيميل مهربش! إيميل محبوس في مكان سري تحت يد ماركوس مباشرة. ماركوس لعبها صح:
خدع فؤاد والقى اللوم على ديمتري . مكنش واثق في رد فعلهم، وعارف إن والده هيفضل يضغط عليه عشان يخلص من إيميل ويقفل الملف، وبكدة هيخسر "ورقة الضغط" اللي ماسك بيها كيرت.
ماركوس عايز كيرت وشبكته يكونوا تابعين ليه هو "شخصياً" وللغريري .
و كيرت طلع مختلف عن أبوه؛ مبيعرفش يضحي بدمه. ووجود إيميل "رهينة" في إيد ماركوس هو الضمان الوحيد إن كيرت هيفضل ينفذ كل الأوامر وهو ساكت.
ماركوس وهو بيبص لكيرت في المطعم، كان عارف إنه مش بس بيمضي عقد شراكة، ده بيمضي على "صك ملكية" لواحد من أخطر مصادر المعلومات في أوروبا، وكل ده بفضل الكذبة اللي صدقها الكل.
______
المسا ...
المشهد كان عبارة عن انفجار صامت جوه مكتب فؤاد، الجدران الخشبية التقيلة كانت شاهدة على لحظة تاريخية في عمر عيلة الغريري. ماركوس مكنش مضطر يقول، بس هو اختار يروح لوالده "طواعية"، مش عشان يستأذنه، لا.. ده عشان يرمي القنبلة في وشه ويوريه إن العهد الجديد بدأ.
ماركوس وقف قدام مكتب والده بكل شموخ، صلح جاكيت بدلته وقال ببرود مرعب
"أنا خلصت كل حاجة يابوص.. الاتفاق مع كيرت تم، ومش فاضل إلا نعمل العشا اللي نوقع فيه علا كل حاجة"
فؤاد في اللحظة دي حسه إنه اتعرى من سلطته، الدم غلى في عروقه وكأن ماركوس بيقوله "إنت خلاص بقيت موضة قديمة" ، او " كلامك عن انه لازم نرجع كرامة اختي مالوش قيمة "
قام وقف فجأة، وصوته كان زي الرعد وهو بيصرخ
"إنت بتعلمني بالأمر الواقع يا ماركوس؟ إنت فاكر إنك عشان مسكت الشغل كام يوم هتبقى ليك الكلمة العليا؟ أنا لسه فؤاد الغريري، وأنا اللي بقول مين يدخل بيتنا ومين يخرج منه!"
صوفيا أول ما سمعت الزعيق، دخلت تجري، وقفت بين فؤاد وابنه وهي بتحاول تمسك إيد فؤاد اللي كانت بتترعش من الغضب
"اهدى يا فؤاد.. عشان خاطري صحتك مش حمل ده، ماركوس قصده اكيد مصلحة الشغل، والولاد دلوقتي بقوا أدرى بالسوق.."
كلام صوفيا كان "بنزين" على نار فؤاد، حس إنها هي كمان بتشيله من الحسبة. وبدون تفكير، وفي لحظة غضب أعمى، فؤاد فلت إيده من صوفيا ورفعها، ونزل بصفعة قوية مدوية على وش ماركوس.
الصوت كان له صدى في الأوضة، صوفيا شهقت وحطت إيدها على بؤها وهي مش مصدقة، لأن دي أول مرة فؤاد يمد إيده على واحد من ولاده.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الصفعة، كانت في ماركوس.
وش ماركوس متزحزحش سنتيمتر واحد لورا، رقبته متنتش من قوة الضربة، ملامحه متكرمشتش من الألم. بالعكس.. هو فضل مثبت عينيه في عينين والده بنظرة "ميتة"، نظرة خالية تماماً من أي مشاعر، وكأن اللي اتضرب ده شخص تاني خالص. الصمت اللي ساد كان أتقل من الجبال، صمت بيحضر لخراب كبير.
ماركوس مرفعش إيده يحسس على خده، ولا صرخ، ولا حتى رمش. هو فضل باصص لفؤاد وكأنه بيحلل حالة الضعف اللي وصل لها والده. وبمنتهى الهدوء، مد إيده لجيوب سترته الفخمة، وطلع منديل قماش أبيض ناصع، مطوي بدقة هندسية.
ببطء شديد مستفز، رفع المنديل لزاوية شفته اللي انفتحت ونزلت خيط رفيع من الدم. ضغط بالمنديل برقة، وكأنه بيمسح بقعة مية وقعت غصب عنه على قميصه، مش دم إهانة. شال المنديل، بص لبقعة الدم الحمراء اللي لوثت بياض القماش بنظرة باردة وفاحصة، وكأنه بيسجل اللحظة دي في ذاكرته للأبد.
طبق المنديل تاني بحيث إن بقعة الدم تكون "لجوه" ومستخبية، ورجعه مكانه في جيب السترة، وبنفس النبرة الرخيمة الباردة قال
"تعبت نفسك ع الفاضي يا والدي.. الضربة دي مغيرتش الحقيقة، الضربة دي بس أكدت لي إنك مابقتش قادر تواجهني بالمنطق، فاستخدمت إيدك.. وده معناه إن اللعبة انتهت فعلاً."
لف ماركوس ضهره وخرج من المكتب بكل هيبة، وساب فؤاد واقف بينهج، وصوفيا بتبص لجوزها برعب، لأنهم كلهم عرفوا إن ماركوس "مقتلش" غضبه، هو بس "خزنه" لليوم اللي هيعلن فيه إنه الحاكم الأوحد لمملكة الغريري.
اما صوفيا فسارعت تسكب كوب ماء لفؤاد اللي بسرعة اخد حبة من دواه ، عشان يهدي انفاسه ...
_______
الأيام بقت بتمر على كاريلا كأنها حلم وردي، الدراسة ماشية تمام، والبالطو الأبيض بدأ ياخد مكانه في حياتها، ومامتها "حياة" دايمًا معاها في الصورة. لكن في عالم "الغريري"، مفيش هدوء بيدوم؛ لأن ظهورها المتكرر مع ليون ونيكس خلاها "تريند" الجامعة والكل بيسأل عن قريبة الغريري الجديدة اللي قلبت الموازين.
وسط كل ده، كان فيه عين بتراقب من بعيد بفضول ...
عين جودي...
جودي مكنتش مجرد طالبة، دي كانت "أيقونة" ماشية على الأرض. ملامحها حادة وجميلة بشكل يستفز، بفتحة عين "سموكي" بتخطف الأنفاس، وشعر بني ناعم ولامع بينسدل على كتافها بكل ثقة. بشرتها برونزية مثالية كأنها طالعة من جلسة تصوير لمجلة عالمية، ودايمًا بتمشي وكأنها لسه على منصة عروض الأزياء، بذكاء بتعرف تختار لبسها اللي بيبرز جمالها وجاذبيتها. هي البنت اللي كل الرجالة بيتمنوا نظرة منها، والوحيدة اللي قدرت تحافظ على لقب "البنت المثيرة" تلات سنين ورا بعض في الجامعة.
لكن جودي عندها هدف واحد حاليًا، وهو ليون الغريري. الشخص اللي سبق وشاركت معاه في عروض أزياء، والوحيد اللي شايفة إنه يستحق يكون "ملك" جنب "ملكتها". ولما شافت ليون اللي مكنش بيجي الجامعة أصلًا، بدأ يظهر يوميًا عشان خاطر "كاريلا" وبيضحك معاها، النار ولعت جواها والفضول قتلها اكثر .
جودي كانت قاعدة في "الكافتيريا" بكل برود، وبجانبها ليز اللي كانت بتحاول "تحشر" نفسها في الشلة بأي طريقة عشان تحمي نفسها. جودي بصت لكاريلا وهي قاعدة بتاكل وسط ليون ونيكس، وسألت ليز بسخرية وهي مش فاكرة حتى اسمها
"يا.. أنتي يا مستجدة، مين البنت اللي ليون بيضحك معاها دي؟ مكنتش أعرف إن ذوقه بقى 'بيتي' أوي كدة."
ليز وهي بتنتهز الفرصة
"دي كاريلا.. كانت معايا في المدرسة. والظاهر كدة إنها أختهم غير الشقيقة.. أو يمكن 'ابنة غير شرعية' عيلة الغريري خبوها ولسه ظاهرة دلوقتي."
جودي رفعت حاجبها ببطء، وعيونها لسه مثبتة على ضحكة ليون، وقالت بابتسامة غامضة
"مثير.. أخت؟ ولا مجرد حكاية؟"
من اللحظة دي، كاريلا بدأت تلاحظ إن جودي موجودة في كل حتة.. في الطرقة، قدام قاعة المحاضرات، وحتى في المكتبة. جودي بذكاء بدأت تتقرب من كاريلا، وكاريلا ببرائتها مكنتش فاهمة ليه "نجمة" زي دي مهتمة تصاحبها .
جودي بدأت تعزم كاريلا على بيتها، وتتكلم معاها كتير، لغاية ما جه اليوم اللي قالتلها فيه
"كاري يا حبيبتي، فيه تجمع صغير لأصحابي النهاردة، لازم تيجي عشان أعرفك عليهم.. عايزة أقدملك 'المجتمع الحقيقي' اللي يليق بيكي."
كاريلا لبست وراحت وهي فاكرة إنها قعدة صحاب هادية، بس اتصدمت لما لقت نفسها قدام ملهى ليلي صاخب، الدنيا فيه دخان وأنوار بتتحرك بجنون وموسيقى بتهز الأرض.
جودي بصت لكاريلا اللي كانت واقفة مخضوضة وماسكة شنطتها الوردية بقوة، وقالتلها بابتسامة الخبيثة
"فكي شوية يا دكتورة.. أنتي دلوقتي في حماية جودي، يعني مفيش حد يقدر يكلمك.. استمتعي ! " وسحبتها معاها للداخل .
______
الأجواء جوه الملهى كانت عبارة عن انفجار من الصخب؛ أنوار "الليزير" الملونة بتقطع الضلمة وتتحرك بجنون على وشوش الناس، وريحة الدخان والمشروبات كانت خانقة لكاريلا اللي حست إنها غريبة تماماً عن المكان ده. كاريلا كانت قاعدة "شادة على نفسها" وكأنها خايفة لو سابت الحيطة تقع، وكل ما جودي تقوم تتحرك، كاريلا تقوم وراها زي ظلها، وطبعاً رفضت أي مشروب اتقدم لها بابتسامة مهزوزة وهي بتقول
"لا شكراً.. مش بشرب".
كاريلا كانت بتحاول "تساير" الليلة وتضحك في وش صحاب جودي اللي عرفتها عليهم، رغم إنها كانت بتعد الثواني عشان تمشي. لكن فجأة، واحد من الموجودين—واضح إنه سكران ومغرور—قرب منها وبدأ يضغط عليها عشان ترقص معاه. كاريلا استأذنت منه بلطف وحاولت تبعد، بس هو صمم ومشي وراها، وأول ما حست بإيده "اللزجة" بتتحط على خصرها، كاريلا مكررتش كلامها..
نزلت بصفعة قوية على وشه خلت الكل يسكت للحظة.
الفوضى عمت المكان، والراجل وشه اتغير وبان عليه الغضب، وبدأ يتهجم عليها وهو بيشتم. كاريلا غمضت عينيها برعب، وضمت شنطتها الوردية لصدرها وهي مستنية الضربة اللي هتيجي.. لكن الضربة مجتش.
بدل الوجع، سمعت كاريلا صوت صفعة تانية دوت في المكان، بس المرة دي كانت أقوى وأعنف. فتحت عينيها وهي مش مصدقة.. جودي كانت واقفة "شامخة" زي الجبل بين كاريلا وبين الراجل ده. نظرات جودي كانت تحرق، وكأنها بتبص لحشرة مش لبني آدم.
جودي وجهت كلامها ليه بصوت واطي ومرعب
"إنت اتجننت؟ إنت عارف إنت بتلمس مين؟ البنت دي تخصني، واللي بيلمس حاجة تخص جودي، بيمسح اسمه من الدنيا."
وبإشارة واحدة من صباعها، نادت رجال الأمن اللي جم جري وسحلوه برا الملهى وسط ذهول الكل.
في لحظة، جودي اتحولت ورجعت لبرودها المعتاد، لفت وشها لكاريلا وهدت ملامحها، وكأنها مكنتش لسه ضاربة قلم يوقع سنان أي حد. قالت بابتسامة هادية وكأن مفيش حاجة حصلت
" الحثالة بقوا في كل مكان.. الظاهر إني لازم أكلم بابي وأقوله يفلتر الناس اللي بتدخل الملها بتاعه كويس، مكنتش أعرف إن مستواه نزل كدة."
كاريلا وقتها بس عرفت إن المكان ده بالكامل ملك لعيلة جودي، وإن جودي مش بس مشهورة، دي بتمتلك الأرض اللي هما واقفين عليها.
وجودي كملت بغمزة
" بس على فكرة ...طلعت جامدة!" وضحكت بخفوت