الفصل الأول : صباح رمادي
اشرقت الشمس مجددا ككل يوم . ينهض الجميع ليعملوا او ليدرسوا او ليقوموا بما يحلو به إلا تسنيم تلك الطفلة السمراء ذات النمش تنهض فقط لانها مجبرة على النهوض ، استيقظت فقط لان الأرق كان رفيقا وفيا لها ، رفض التخلي عنها و تركها بمفردها .
جلست على حافة السرير، تنظر إلى الملابس المبعثرة على الأرض، كأنها تنتظر منها قرارًا يعيدها للعالم. كل قطعة كانت تمثل حركة صغيرة، اختيار صغير بين البقاء في الظلال أو التحرك. أمسكت بالقميص، لمست القماش ببطء، شعرت بالنعومة لكنه لم يلمس قلبها. ارتدته ببطء، كأنها تحرك جسدها بلا روح، فقط تنفيذ تعليمات الحياة اليومية.
نظرت صوب المكتب قرب النافذة، حيث الأوراق المبعثرة التي كانت تكتب فيها يومًا أحلامها، كلماتها، رسوماتها. نظرة عابرة، مجرد مراقبة، وكأنها تقول لنفسها: “هذا أنا، أم لا؟” . سؤال لم يكن على طفلة في السابعة من عمرها ان تسأله ، لم تكن قادرة على لمس الحبر ولا تذكر متى كانت آخر مرة شعرت بالفرح أثناء الرسم أو الكتابة. الأوراق هناك، ثابتة، باردة، انعكاس للفراغ الداخلي الذي لم يبتعد عنها فقط لانها كانت بلا هدف . تعيش فقط لأنه طلب منها ان تعيش ، لم تفكر في حلم يجعل للرسم و الكتابة معنى بالنسبة لها ، لهذا قررت التوقف و الابتعاد عن تلك الاوراق .
نهضت ، و شعور ثقيل يضغط على كتفيها، محاولة ضبط خطواتها لتكون متواصلة ومتزنة. جسدها تحرك، لكنها كانت دائمًا مراقبة لجسدها من بعيد، كل حركة مقاسة، كل خطوة مدروسة، حتى لا تظهر الهشاشة التي تشعر بها. حاولت أن تتماشى مع نفسها كطفلة في السابعة تتظاهر بالقوة ، تتظاهر بالحياة، تتظاهر بالبراءة ، تتظاهر بالنشاط، تتظاهر بابتسامة… ابتسامة صغيرة، مهذبة، لكنها مفتقدة للروح.
خرجت من الغرفة، كل خطوة نحو المدرسة كانت صدى داخل رأسها، صوت خطواتها يذكرها بالفراغ الذي تركته فيها عائلتها . رغم انهم بجانبها إلا انها كانت وحيدة ، بينما اختفت كل الألوان من حياتها. وعندما التقت بأصدقائها، وضعت الابتسامة على وجهها، تلك الابتسامة التي لم يلاحظها أحد.… لكنها كانت تعلم، أن كل شيء مجرد تمثيل، وأن قلبها ما زال متوقفًا في مكان ما بعيدًا عنهم.
كل خطوة كانت اختبارًا، كل نفس محاولة لإخفاء الفراغ الداخلي، كل حركة عابرة نحو المدرسة كانت رحلة صامتة لإعادة اكتشاف العالم بعيون لم تعد تعرف كيف ترى، ولكنها مضطرة لأن تتحرك.