تمهيد للرواية
الظلام لم يكن مجرد غياب للضوء، بل وجود متراكم من الفراغ، صمت يلتهم كل شيء قبل أن يولد. كان صمتًا ثقيلًا لدرجة أنه يخرس الموسيقى التي كانت تعيش بداخلها، ويغلق النوافذ على نفسها، على كل شيء خارجها، على أي احتمال لدفء أو لون. الغرفة نفسها، بأثاثها المهجور وكتبها المفتوحة، لم تعد مكانًا، بل مرآة للفقدان، تعكس ما كانت عليه وما أصبحت عليه، بلا فاصل بين الماضي والحاضر.
يديها، التي كانت تعرف كيف تُخلق الحياة من الورق، أصبحت غريبة عنها، أطنانها ثقيلة بلا وزن، وكأنها مجرد أدوات لنقل الفراغ نفسه. القلم الذي حمل أحلامها صار ثقيلًا، ليس لأنه يحمل كلمات، بل لأنه يحمل الصمت الذي لم تتجرأ على سماعه منذ سنين. كانت تعرف أنه ما من أحد سيسمعها، وأن كل صوت ينبعث من الداخل يضيع بين جدران الروح قبل أن يخرج.
وفي داخلها، كان هناك فراغ أعمق من كل ما تعرفه، فراغ لا يمكن للوقت أن يملأه، ولا للحياة أن تضيئه. ذكريات الطفولة، الضحكات التي كانت تعطيها الحياة، شغف الرسم والكلمات، كلها تلاشت كالنجوم في صباح بلا شروق للشمس، تاركة جوفًا باردًا يشبه الليل بلا قمر. كانت تسأل نفسها بصوت صامت، صمت يلتهم كل إجابة:
“لماذا يستمر القلب في النبض، إذا فقدت الروح القدرة على أن تحب، على أن ترى، على أن تتنفس؟”
ثم ظهر شيء، أو ربما كان مجرد وهم، لكن تأثيره كان حقيقيًا بما يكفي ليهزّ الصمت الذي اعتادت عليه. لم يكن شخصًا، ولا صوتًا، بل خيط من الضوء يتسلل بين شقوق الظلام، رسالة صامتة تقول لها: “ما زال هناك ما يستحق أن تشعري به… ولو للحظة.” شعرت بقلبها، رغم كل الثقل، يحاول أن يتحرك، أن يتذكر كيف يكون حيًا، وكيف يمكن للوجع أن يتحول لموسيقى، وكيف أن الألم يمكن أن يصبح لوحة، أو جملة، أو صوتًا لا يُنسى.
وفي هذا الصمت، بدأت التساؤلات تتكاثر. عن الفن، عن الوقت، عن الموت والحياة، عن من نختار أن نحبّ، وعن الذين يأتون فقط ليلمسوا أعماقنا قبل أن يرحلوا. كل شيء بدا وكأنه معادلة لا تُحلّ، فراغ لا يمكن ملؤه، لحن لا يمكن عزفه، لون لا يمكن رسمه. ومع ذلك، شعرت أن جزءًا صغيرًا من نفسها، جزء لم تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها، بدأ يتحرك.
وهنا بدأت رحلتها الحقيقية: بين الظلال التي تعرفها جيدًا، وبين الضوء الذي يطرق أبواب قلبها بلا استئذان، رحلة تعلم أن الألم ليس عدوًا، بل معلّم. أن من يأتون ليضيئوا حياتنا قد يرحلون، لكن أثرهم يصبح جزءًا منا، ويظلّ في كل ضحكة، في كل لوحة، في كل كلمة تُكتب.
لقد أدركت، لأول مرة منذ سنوات، أن الشغف لم يمت… لقد نام فقط، وأن الحياة، حتى بعد أقسى اللحظات، لا تزال تقدم لحظة واحدة يمكن أن تعيد كل شيء، إذا كنا مستعدين لسماعها.
(قصة حقيقية )