نهر بلا دماء - الفصل التاسع عشر: الظل - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر: الظل

الفصل التاسع عشر: الظل

لم يصل الخبر إلى الحاج مصطفى متأخرًا، لكنه وصله ثقيلًا. قالوا له إن ياسين بن عبد الرحيم لم يعد ذلك الشاب المنكسر، وإن له الآن اسمًا في أكبر شارع في المدينة، وإن الناس يتحدّثون عن محله كما يتحدّثون عن علامة تجارية صاعدة. حين سمع الاسم كاملًا، شعر كأن أحدهم نزع ستارًا قديمًا عن ذاكرته. عبد الرحيم. الاسم الذي دفنه مع حادثة حاول أن يقنع نفسه أنها طُويت. لم يمت الصوت، ولم تَبهت الصورة. تذكّر البرود، القرار السريع، والنظرة التي لم تهتزّ لحظة. صُدم، لا من نجاح ياسين، بل من عودته حيًّا إلى حياته. تردّد قبل أن يذهب، ثم قرّر أن يذهب. ربما ليُبرّئ نفسه، أو ليختبر ما تبقّى من سلطته. دخل الحاج مصطفى المحل الكبير برفقة ابنته سلمى. كانت الواجهة تلمع، والعمّال يتحرّكون بانضباط. لمح ياسين من بعيد، واقفًا بثبات، لا يحمل ملامح المنتصر ولا المنهزم. تقدّم الحاج مصطفى ومدّ يده، وقال بنبرة محسوبة: "جئت أهنّئك. ما وصلتَ إليه يُحترم." صافحه ياسين، مصافحة قصيرة، بلا حرارة. قال بهدوء: "التهنئة لا تُغيّر الماضي." تدخّلت سلمى بنظرة مرتجفة. كانت تقف بين رجلين يحمل كلٌّ منهما تاريخًا لا يشبه الآخر. التقت عيناها بعيني ياسين، فرأى فيها حزنًا لم يكن موجّهًا إليه، بل إلى ما لم يكن لها يد فيه. قال الحاج مصطفى سريعًا، كأنه يخشى الصمت: "أريدك أن تعرف… أنا لم أكن السبب في موت والدك." سكت ياسين لحظة. لم يرفع صوته، ولم يبتسم. قال ببرود أشدّ من الاتهام: "قد لا تكون أنت من دفعه ليسقط… لكنك كنت من تركه يسقط." ساد الصمت. العمّال توقّفوا عن الحركة دون أن يشعروا. المكان كلّه بدا كأنه يُصغي. نظر ياسين إلى سلمى مرة أخرى. لم يكن في نظرته لوم، بل وداع صامت لشيء جميل لم يُكتب له الاكتمال. ثم أعاد نظره إلى الحاج مصطفى، وقال بصوت منخفض لكنه قاطع: "لم أنسَ ما فعلته بأبي. لم أنسَ برودك، ولا طريقتك، ولا المال الذي جعل كل شيء عندك قابلًا للتجاوز." اقترب خطوة، وأضاف: "لن أنتقم منك بيدي. لكن اعلم أن المال الذي تجمعه بطرق فاسدة لا يحمي صاحبه. سيأتي يوم… وستندم." تراجع الحاج مصطفى خطوة. لم يكن معتادًا أن يُخاطَب بهذه الطريقة. لم يكن في كلام ياسين تهديد مباشر، لكنه كان أثقل من أي وعيد. غادر الأب وابنته المكان. سلمى لم تلتفت. كانت دمعتها محبوسة، لا تسقط ولا تختفي. بقي ياسين واقفًا في مكانه. شعر أن نارًا قديمة تحرّكت في صدره، نار لم تنطفئ رغم النجاح، ولم تخمد رغم الاتساع. لم يكن انتقامًا بعد… لكنه لم يكن نسيانًا أيضًا. وكان يعلم، في قرارة نفسه، أن هذا اللقاء لم يكن نهاية شيء، بل بدايته.