الفصل 6
نزلت ماريانا بخطوات بطيئة،
هدوءها ليس طمأنينة، بل رعب صامت.
شعرت كأن الهواء من حولها تجمّد،
كأن أنفاسها لا تخرج،
كأنّها غريبة في بيتها… وغريبة في جسدها.
وفجأة، ومثل وخزة ذاكرة…
تذكّرت.
نفس هذا الشعور…
نفس الرهبة التي شعرت بها قبل سنوات،
عندما ظهر ذاك الشيء الغريب على يدها،
حين تداخلت النار والماء والهواء والتراب في جسدها للحظة لا تُنسى.
ذلك الشعور العميق…
كأنه شيء في الكون يناديها… ويتسلّل إلى قلبها.
لكن هذه المرة؟
الشعور أقوى.
أثقل.
كأن شيئًا في الظل ينتظر عودتها.
أنزلت قدمها على الدرجة التالية…
ثم التي بعدها…
ببطء، على أطراف أصابعها…
وصوت خطواتها يتردد بصوت مكتوم:
تك...
تك...
تك...
كل خطوة كانت كأنها تطرق أبواب المجهول.
حتى وصلت إلى نهاية الدرج،
ووجدت نفسها واقفة في مكان مظلم تمامًا،
كأن الضوء نُفي منه للأبد.
هي لا تحب الظلام،
تشعر فيه وكأن الأشياء تتنفس دون أن تراها.
لكنها قاومت…
وبدأت تتحسّس الجدران،
يديها ترتجفان،
وتبحث… وتبحث… وتبحث…
حتى وجدت شيئًا معدنيًا باردًا تحت أطراف أصابعها.
ضغطت عليه
فانفجر الضوء انفجر الضوء في السقف،
وأضاء ما حولها دفعةً واحدة.
أغمضت عينيها للحظة من شدّة التباين،
ثم فتحتهما ببطء…
نظرت يمينًا ويسارًا.
لا أحد.
لا أصوات.
لكن الغرفة… لم تكن عادية أبدًا.
لم تكن ضيّقة كما تخيّلتها،
بل كانت واسعة بشكل غريب،
كأنها حجرة تحت الأرض استخدمت لاجتماعات سرّية.
الجدران كانت مغطّاة بالكامل بالكتب،
كتب قديمة، متهالكة، بعضها بلا عناوين…
مرتّبة بدقة، لكنها مخيفة.
وفي منتصف الغرفة،
كان هناك مكتب خشبي كبير،
بنيّ داكن،
وعليه مصباح صغير أخضر يبعث ضوءًا ناعمًا.
خلف المكتب… كرسي والدها،
وأمامه كرسيان خشبيان صغيران،
كأن والدها كان يجلس هنا مع زائرين…
لكن ما شدّ نظرها أكثر من كل شيء،
كان ذاك الكتاب الذي وُضع بعناية في وسط المكتب،
كأن أحدًا تعمّد أن يتركه هناك بالضبط… لها.
كان قديمًا جدًا…
الجلد الذي يغطيه متشقق،
لون غلافه أحمر داكن، كدمٍ جاف.
وحول أطرافه نقوش غريبة، لا تُشبه أي لغة تعرفها.
وفي منتصف الغلاف… كانت هناك كتابة واحدة.
"سيراسيل…"
لم تفهم ماريانا ما تعنيه هذه الكلمة بالضبط،
لكنها كانت متأكدة أنها تعرفها
نعم…
لقد سمعتها من قبل.
مع صوت الماء
في لحظات الهدوء
وأيضًا…
في تلك الليلة التي شعرت فيها بالحضن الغريب
نعم… تلك الكلمة كانت هناك
كأنها محفورة في ذاكرتها دون أن تدري
بدأ عقلها يجمع كل المشاهد
كل الذكريات
كل الأحاسيس التي لم تجد لها تفسيرًا يومًا
جلست بهدوء على الكرسي أمام المكتب
وضعت يدها على الغلاف الثقيل
أخذت نفسًا عميقًا
ثم فتحته…
صفحة تلو الأخرى
كلمات بلغة غريبة
لكنها تقرأها… كأن قلبها يترجمها لا عقلها
شعرت برعب هائل
أنفاسها متسارعة
عيناها تتنقلان بين الرموز
ويدها ترتجف على الورق
هي فتاة ناعمة
دلوعه
تخاف من كل شيء… حتى من ظلام غرفتها
لكن الآن
كانت تقرأ كتابًا عمره آلاف السنين
كتابًا ربما… غيّر كل شيء فيها
وقبل أن تكمل الصفحة التالية…
رنّ جرس المنزل
طنننن—
ارتجف قلبها
شهقت بهدوء
نظرت إلى الباب
ثم إلى الكتاب
ثم وقفت
كأن اللحظة تمزق عالمين في داخلها…