نهر بلا دماء - الفصل الثامن عشر: الاتساع - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر: الاتساع

الفصل الثامن عشر: الاتساع

لم يعد المحل الصغير يتّسع لما صار في ذهن ياسين. لم يكن القرار فجائيًا، بل نتيجة تراكمٍ هادئ من الثقة. الأرقام لم تعد ترتجف، الزبائن تكاثروا، والموردون صاروا يعرضون بدل أن يُعرض عليهم. شعر ياسين أن البقاء في المكان نفسه صار قيدًا، وأن الخوف هذه المرة ليس في التقدّم، بل في التوقّف. اختار أكبر شارع في المدينة. شارع لا ينام، تمرّ فيه الناس كما تمرّ الأفكار في رأسه. هناك، حيث المحلات الكبيرة، حيث الضوء لا ينطفئ، وحيث المنافسة لا ترحم، قرر أن يضع اسمه. بنى محلًا واسعًا، واجهته زجاجية، رفوفه طويلة، ومساحته تُشبه الأسواق الكبرى التي تبتلع الزبون قبل أن يبتلع هو حاجته. لم يكن تقليدًا أعمى، بل تطويرًا لما عرفه: وفرة، وضوح، وتنظيم. حين فُتح المحل الجديد، شعر ياسين بشيء يشبه الوقوف على حافة مرتفعة. خطوة واحدة إلى الأمام تعني الطيران… أو السقوط. وظّف عمّالًا. لم يخترهم على أساس الخبرة فقط، بل على النظرة. كان يسألهم أكثر مما يسألونه. كيف يعملون؟ كيف يخطئون؟ كيف يرون الناس؟ قال في نفسه إن المحل الكبير لا يقوم بالسلع، بل بالوجوه التي تقف خلفها. سعيد تولّى التسيير اليومي، وحمزة أمسك بالحسابات. بدا كل شيء منظمًا، متماسكًا، وكأن الفشل صار احتمالًا بعيدًا لا يستحق التفكير. صار المال يتحرّك بسرعة أكبر. وصارت القرارات أثقل. في الليل، حين يُغلق المحل أبوابه، كان ياسين يقف وحده وسط المساحة الواسعة. يتذكّر الأيام التي كان فيها صندوق واحد يكفيه. يسأل نفسه: هل كبرت التجارة… أم كبر العبء؟ لكنه كان يطرد السؤال سريعًا. النجاح حين يتّسع، يُغري صاحبه بالصمت عن الشك. في الخارج، بدأ الناس يتحدّثون. "فلان كبر." "صار له اسم." "لن يقف هنا." ولم يكن يعلم أن الاتساع، حين يسبق الحكمة بخطوة، قد يتحوّل من نعمة إلى امتحان. كان كل شيء يبدو ناجحًا… لكن النجاح أحيانًا لا يُنذر بالخطر، بل يُخفيه.