الفصل 5
عادت ماريانا إلى المنزل لممارسة روتينها المعتاد.
بدأت صباحها برياضة خفيفة، ثم جهّزت فطورًا بسيطًا لنفسها.
خلال ذلك، بدأ المطر يهطل بهدوء، يطرق النوافذ وكأنه يواسي وحدتها.
ابتسمت وهي تنظر من الزجاج، ثم أكملت يومها بنشاط.
نظّفت المنزل وحدها، ثم ارتدت معطفها الطويل واتجهت إلى ساحة المزرعة.
فقد كانت أسرتها تملك مزرعة واسعة، ونفوذ قوي في المدينة.
وكانت الحيوانات جزءًا مهمًا من يومها.
تفقّدت الدجاج، وأطعمت البقر والخراف، ولاعبت الغزلان والخيل،
ثم توجهت نحو البركة الصغيرة حيث يسبح البط بسكون.
كان لديها أيضًا العديد من القطط، بألوان مختلفة،
تتبعها في كل مكان وكأنها حارساتها الصغيرات.
وعندما تنتهي من العناية بالحيوانات،
تعود إلى المنزل وتدخل غرفتها.
تبدّل ملابسها، وتجلس قرب النافذة…
ثم تبدأ بقراءة كتبها ورواياتها المفضلة،
تغوص في العوالم التي تحبها، وتنسى أنها وحدها.
كانت معتمدة تمامًا على هذا النمط من الحياة.
تحب الهدوء، السكينة، والبساطة.
والقراءه كل يوم، بعد أن تنهي أعمالها في المزرعة والمنزل،
تجلس إلى مكتب صغير قرب النافذة، وتبدأ بالكتابة.
أي شيء يخطر ببالها، تدوّنه، تحفظه… أو تتركه يتناثر على الورق بحرية.
كانت فتاة تحب الكتابة… ببساطة.
وفي لحظة هدوء بين الحروف،
تنهض لتقف أمام المرآة.
تنظر إلى نفسها… لا كأنها تُعجب بما ترى، بل كأنها تحاول أن تفهم من تكون.
هي ليست كاملة… بل عادية.
شعرها بنيّ مائل إلى الأشقر،
عيناها عسليّتان فيهما دفء،
وجهها ما بين الطفولي والحادّ،
رشيقة… لأنها تحرص على جسدها وبشرتها.
نمش خفيف يزين أنفها،
وغمازتان تظهران حين تضحك بخجل.
قد يظن أحدكم أنها جميلة جدًا،
لكن بالنسبة لبنات قريتها… هي فقط “عادية”.
فجميعهن جميلات، وعيونهن مشرقة،
وماريانا؟
تفضل أن تكون هادئة، متوارية، تكتب بعيدًا عن الضوء.
بعد مرور فترة من سفر والديها،
وفي أحد الأيام الهادئة،
أنهَت ماريانا كل مهامها كالمعتاد…
لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.
المنزل صامت أكثر من المعتاد،
والريح الباردة كانت تحرّك الستائر بهدوء غريب.
شيء في داخلها بدأ ينبّهها…
ذاك الباب في نهاية الممر…
القبو الذي لا يفتحه أحد سوا والدها.
لطالما رأت هنري ينزل إليه بكثرة،
يحمل صندوقًا أحيانًا، أوراقًا أحيانًا،
ثم يخرج وكأنه عاد من عالم آخر.
ترددت… ثم تقدّمت.
اقتربت من باب القبو ببطء،
مدّت يدها إلى المقبض…
وحاولت فتحه.
لكن الباب كان مغلقًا بإحكام.
جربت مرّة، مرتين، ثلاثًا…
ولا جدوى.
ثم وهي تدور بعينيها حول الباب بحثًا عن حل،
رأتها.
نبتة صغيرة على اليمين،
وضمن ظلّها الكثيف… مفتاح نحاسيّ صغير.
ترددت للحظة،
ثم التقطته،
ووضعته في القفل…
"كليك."
فتح الباب.
وبدأ قلبها يخفق بقوة.
أصابها ارتجاف خفيف في يدها،
وهي تمسك مقبض الباب وتدفعه ببطء.
ظهر أمامها درج طويل،
مظلم، وبارد،
وكأن الهواء فيه لا يتحرّك منذ سنين.
خطت أول خطوة…
ثم ثانية…
وهمست في داخلها:
ماذا يمكن أن أجد هنا؟
هل هو فقط قبو قديم…
أم شيء آخر؟
شيء لم يُرَد لها أن تعرفه؟