نهر بلا دماء - الفصل السابع عشر: البداية - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع عشر: البداية

الفصل السابع عشر: البداية

لم يبدأ ياسين من فكرة عظيمة، بل من حاجة بسيطة يفهمها الناس قبل أن يفهموا الأرباح. اختار تجارة المواد الغذائية الجافة؛ زيت، دقيق، سكر، بقوليات. أشياء لا يزدهر بها الحلم سريعًا، لكنها لا تموت. قال في نفسه إن التجارة التي تُشبع الناس لا تخونه سريعًا، وإن السوق الحقيقي هو حيث الحاجة لا الرغبة. كان يشتري القليل، ويبيع القليل، ويراقب كل درهم كأنه شريك صامت. لم يكن يطمع في القفز، بل في الثبات. يعمل في النهار، ويحاسب في الليل، ويعيد العدّ في الصباح. شيئًا فشيئًا، صار المال يعود إليه لا هاربًا، بل مطيعًا. لم يعد الادخار خوفًا، بل خطة. حين صار الربح ثابتًا، ولو ضئيلًا، اتخذ قراره الأول الكبير: اكترى محلًا صغيرًا في حيّ شعبي، لا يلفت النظر، لكنه في قلب الحركة. نظّفه بيده، رتّب الرفوف بنفسه، وكتب الأسعار بخط واضح لا يقبل المساومة. كبرت التجارة ببطء، كما يكبر طفل يحظى برعاية صبورة. صار الزبائن يعرفونه بالاسم، لا لأنه الأرخص، بل لأنه الأصدق. لم يُنقص الوزن، ولم يرفع السعر خفية، ولم يبع ما لا يرضى أن يأكله. وحين شعر أن الأساس صار صلبًا، تذكّر من وقفوا معه حين لم يكن يملك شيئًا. دعا سعيدًا وحمزة إلى المحل بعد الإغلاق. جلسوا على صناديق فارغة، والضوء خافت. لم يبدأ بالكلام عن المال، بل عن الطريق. قال بهدوء: "هذا ليس نجاحًا… هذا فقط بداية صحيحة." نظر إليه سعيد متفحّصًا، وقال: "ولماذا نحن هنا؟" فتح ياسين دفترًا صغيرًا، وبدأ يشرح. لم يُخفِ الأرقام، ولم يجمّل الواقع. قال لهم كم يربح، وكم يخسر، وما الذي يريد فعله. توسّع محسوب. مورد أوفر. إدارة مشتركة. لا أسرار. ثم قال الجملة التي لم يتوقّعاها: "أريدكما شريكين." ساد صمت ثقيل. لم يكن العرض مغريًا فقط، بل صادقًا. لم يعرض عليهما صدقة، بل مسؤولية. لم يقل: أنا أملك وأنتم تعملون، بل: نملك معًا ونخطئ معًا. قال حمزة أخيرًا: "ولِمَ نحن؟ تستطيع أن تكمل وحدك." أجاب ياسين دون تردّد: "لأنني حين كنت فقيرًا، لم أكن وحدي. ولأن المال إن لم يُصحَّح بالناس، أفسد صاحبه." ابتسم سعيد، تلك الابتسامة القديمة التي غابت طويلًا، وقال: "إذًا لنعمل… ولكن بشروطك أنت." هزّ ياسين رأسه: "بل بشروطنا." في تلك الليلة، لم تُوقَّع عقود، ولم تُرفع كؤوس. لكن شيئًا أهمّ حدث: عاد التوازن. صار النجاح جماعيًا، لا فرديًا. وصار الماضي وقودًا، لا قيدًا. خرجوا من المحل وأغلقوا الباب خلفهم. كان الشارع هادئًا. وكان المستقبل، للمرة الأولى، يبدو ممكنًا.