نهر بلا دماء - الفصل السادس عشر : الطريق - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر : الطريق

الفصل السادس عشر : الطريق

لم ينهض ياسين في تلك الصباحة كما ينهض الناس، بل كما ينهض من أدرك فجأة أن التردّد لم يعد خيارًا. لم يحدث شيء خارق، لم يسمع صوتًا، ولم يرَ علامة في السماء، ومع ذلك لو رآه أحد من الخارج لظنّ أن وحيًا هبط عليه ليلًا، ورسم له الطريق بوضوح لا يقبل الجدل. كان يعرف ما عليه فعله، لا لأن أحدًا قال له، بل لأن الألم حين يبلغ حدّه يتحوّل إلى بوصلة. لم يعتذر لأحد. لا لسعيد، ولا لحمزة، ولا حتى لأمه. كان يعلم أن الكلمات لا تُرمّم ما تكسّر، وأن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة فتبدو ضعيفة. اختار بدلًا من ذلك أن يجعل أفعاله تتكلّم، بصوتٍ لا يُخطئه أحد. خرج مبكرًا، قبل أن تستيقظ المدينة تمامًا. عمل حيث وجد عملًا، لا يسأل عن المكانة ولا عن الصورة. حمل، نظّف، ساعد، تعلّم. كان يعود متعبًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن إذلالًا، بل وعدًا. صار يعمل ليلًا ونهارًا، يقتطع من قوته القليل ويدّخره بعناية. لم يضع المال في جيبه، بل في حقيبة صغيرة، كأنها شهادة على انضباط جديد. كان يفتحها أحيانًا ليتأكّد أن ما يجمعه حقيقي، لا حلمًا قد يتبخّر. وحيثما وجد رجلًا يتحدّث عن تجارة، جلس. وحيثما لمح صاحب مشروع، سأل. لم يكن يسأل عن الربح، بل عن البداية. كيف سقط؟ كيف نهض؟ ما الخطأ الذي لا يُغتفر؟ كان يصغي أكثر مما يتكلّم، ويُخزّن ما يسمعه دون أن يُظهر شيئًا. لم يكن في عجلة من أمره. تعلّم أن السرعة أوقعت أباه، وأن الصبر قد يكون أول انتقام نظيف من الفقر. لاحظ سعيد التغيّر قبل أن يُقال له. لم يعد ياسين ذاك المتوتّر، ولا ذاك المتعالي. كان هادئًا، ثابتًا، وحين يحتاجون إليه، يكون حاضرًا دون منّ. أما حمزة، ففهم من نظرة واحدة أن صديقه عاد، لا كما كان، بل كما ينبغي أن يكون. وأمه… لم تقل شيئًا. لكنها حين رأته يخرج قبل الفجر ويعود آخر الليل، وضعت له طعامًا دافئًا دون كلام. كان ذلك كافيًا. النصيحة عادت، ولكن بصمت. لم يكن طريقه واضحًا إلى النهاية، لكنه كان واضحًا إلى الخطوة التالية، وياسين تعلّم أن الطريق لا يُكشف دفعة واحدة، بل يُمنح لمن يسير. وفي تلك الأيام، لم يكن غنيًا، ولا قريبًا من الغنى، لكنه كان أخطر من ذلك: كان يعرف ما يفعل. إذا رغبت، ننتقل إلى