نهر بلا دماء - الفصل الخامس عشر: الاختناق - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر: الاختناق

الفصل الخامس عشر: الاختناق

لم يكن الضغط يأتي من جهة واحدة، بل من كل الجهات، كأن الحياة قرّرت أن تضيق دفعة واحدة. استيقظ ياسين على فراغٍ لا يُحتمل. المال الذي كان بالكاد يسدّ الرمق نفد، والأعمال الصغيرة التي كان يعتمد عليها توقّفت فجأة، لا لسبب واضح، سوى أن الفقر لا يحتاج إلى مبرّر كي يُحكم قبضته. كان يحمل همّ الغد قبل أن ينتهي اليوم، ويعدّ الساعات بدل أن يعدّ النقود. سعيد لم يعد يمازحه كما كان. وحمزة صار صمته أطول من كلامه. حين اجتمعوا، لم يكن الغضب معلنًا، لكنه كان حاضرًا في النظرات. قال سعيد أخيرًا، بعد تردّد: "نحن معك، لكنك تغيّرت… كأنك تحملنا ذنب ما لم نفعله." لم يجد ياسين ما يقوله. لم يكن بريئًا تمامًا، ولم يكن مذنبًا كما يظنّون. كان فقط متعبًا، والتعب يجعل الإنسان قاسيًا دون أن يشعر. غادرهم وهو يشعر أن الأرض تُسحب من تحت قدميه، لكن الضربة الحقيقية لم تكن هناك. كانت مصادفة عابرة، أو هكذا ظنّ في البداية. رآها تخرج من سيارة فاخرة، تتقدّم بخطوات واثقة نحو رجل في الخمسين، ملامحه صارمة، وصوته معروف. توقف الزمن لحظة حين سمع اسمه يُنادى بوضوح: "أبي." تجمّد ياسين في مكانه. الحاج مصطفى. الاسم وحده كان كافيًا ليُعيد المشهد كاملًا: والده ممدّدًا على الأرض، الدم، البرود في عيون الرجل، والغدر الذي لم يأتِ من خصمٍ في حرب، بل من شريكٍ في الثقة. سلمى… ابنة الحاج مصطفى. لم يكن الخبر صاعقًا فقط، بل مربكًا. أحبّها دون حساب، دون ماضٍ، دون أسماء. والآن صار الماضي واقفًا بينهما، حيًّا، صلبًا، لا يمكن تجاهله. نظر إليها من بعيد، كانت تبتسم لأبيها. لم يرَ فيها شرًّا، لكن الاسم وحده كان سكينًا. شعر للحظة أن قلبه ينقسم قسمين: قلب يرى سلمى كما عرفها، وقلب يرى فيها امتدادًا ليدٍ قتلت والده ببرود. عاد إلى البيت مثقلًا، يبحث عن صوته في صدره، عن كلمة توازن ما انهار. وجد أمه في المطبخ، كما اعتاد، لكن شيئًا كان مختلفًا. لم تلتفت إليه. لم تسأله. لم تنصحه. جلس قبالتها، انتظر. الصمت طال. قال أخيرًا: "أمي…" لم تجبه. لم يكن في صمتها غضب، بل خيبة. وكانت الخيبة أشدّ من أي عتاب. فهم دون شرح. النصائح التي كانت تقولها دون أن تقولها، توقّفت. كأنها قرّرت أن تتركه يختبر الطريق وحده، بعدما لم يعد يسمع. دخل غرفته وأغلق الباب. لا مال. أصدقاء غاضبون. حبّ تحوّل إلى جرح مفتوح. وأمّ صامتة. جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط. لم يبكِ. كان البكاء ترفًا لا يملكه. شعر فقط أن الهواء ثقيل، وأن صدره ضيّق، وأن الحياة تمتحنه دفعة واحدة. وفي تلك اللحظة، أدرك حقيقة قاسية: أن أصعب الفقر ليس قلّة المال… بل أن تجد نفسك وحيدًا، محاصرًا بالماضي، ومُطالبًا بالثبات. وهناك، في قلب هذا الاختناق، بدأت ملامح الرجل الذي سيصبحه لاحقًا تتشكّل، لا بالقوة… بل بالألم.