الفصل 4
مرّت ثماني سنوات على تلك الحادثة.
ثماني سنوات كانت ماريانا تكبر فيها… وتنتظر.
كل مرة كانت تجلس وحدها، تشعر بفراغ قاتل…
ليس بسبب وحدتها، فوالداها كانا يملآن الدنيا عليها،
بل لأن هناك شيئًا آخر… شيء ناقص، شيء غامض، شيء لا اسم له.
هي لا تعرفه،
لكنها متأكدة… أنها حين يحين الموعد، ستعرف.
مضت الأيام كصفحات رطبة في كتاب قديم.
هدوء، ضحك، دراسة، أحلام بسيطة.
لكن دائمًا كان هناك ظلّ… ظلّ لحنين مجهول.
كانت تحاول تجاهله… لكنها كلما نظرت إلى المرآة،
تذكرت تلك الليلة.
تذكرت الشعور الذي لا يمكن تفسيره… ولا نسيانه.
كانت تعيش حياة عادية.
تذهب للمدرسة، تعود للمنزل، تتناول الغداء مع والديها،
تضحك معهم، تحكي لهم كل ما يحدث في يومها،
لكن في داخلها… كانت صامتة.
هناك صوت لا يُسمع،
يناديها من أعماقها،
يخبرها أن شيئًا كبيرًا قادم،
وأنها… ليست مجرد فتاة عادية.
لم تكن تعرف إن كانت هذه مجرد أفكار،
أو خيال فتاة مراهقة تبحث عن مغزى…
لكنها كانت تشعر بها
كل ليلة
كل لحظة
كل مرة يغيب الجميع وتبقى وحدها.
كان قلبها ينبض على إيقاع مختلف.
ينتظر…
ينتظر موعدًا لا تعرف متى يكون.
ينتظر بابًا يُفتح من حيث لا تدري.
وينتظر…
ينتظر موعدًا لا تعرف متى يكون.
وينتظر… أن يُعيد ذلك الحضن الذي لم تفهمه يومًا، لكنه علّق روحها إلى الأبد.
حتى أتى ذلك اليوم…
دخلت أمها الغرفة بفرح وقالت:
– ماريانا حبيبتي، استيقظي، الساعة الآن الخامسة!
قالت ماريانا بنصف صوت وهي تتقلب بتعب:
– أوففف يا أمي… دعيني أنام… أنا أستيقظ على السابعة… ما بكِ؟ ما هذا الحماس الغريب؟
قالت جنيفر بفرحة:
– استيقظي لأقول لكِ!
رفعت ماريانا نفسها عن تختها بصعوبة وقالت:
– هيا يا أمي، هاتي ما عندكِ…
قالت جنيفر وهي تبتسم مازحة:
– فتاة قليلة أدب!
حسنًا سأقول لكِ…
أنا ووالدكِ سنذهب في عطلة خارج البلد لمدة شهر!
فرحت ماريانا لأنها تعلم أن والديها، منذ أن رُزقوا بها، لم يسافروا ولم يأخذوا حريتهم لوحدهم.
قالت وهي تحضن أمها:
– أنا فرحانة من أجلكِ يا أمي.
قالت جنيفر وهي تترك قبلة على جبين ابنتها:
– حبيبتي… حسنًا، سأذهب وأجهّز حقيبتي.
ذهبت جنيفر بفرح إلى غرفتها وبدأت تُجهّز ملابسها،
وكان هنري قد أنهى تجهيز حقيبته أيضًا،
وعند الساعة الثامنة صباحًا، بدا كأنهما يريدان الخروج فورًا.
قالت ماريانا مستغربة:
– ما بكم مستعجلين هكذا؟
أجاب هنري وهو يبتسم:
– نحن متأخران عن موعد القطار!
ردّت جنيفر وهي تنظر إلى الساعة:
– عزيزي، القطار ما زال أمامه ثلاث ساعات!
ضحك هنري بتوتر وقال:
– نعم… لكن علينا أن نسرع، لا أريد أن تفوتنا الرحلة!
قالت جنيفر وهي تضحك:
– حسنًا، هيا بنا إذًا…
اقتربت ماريانا من والديها، وودّعتهما بقبلات دافئة.
وقبل أن يخرجا من الباب، التفت هنري نحو ابنته وقال بلطف:
– عزيزتي الجميلة… اعتني بنفسك،
لا أريد أن أعود وأجد فيكِ أي مكروه…
أنا لا أتحمّل أن يصيبك شيء.