الفصل الرابع عشر: الانزلاق
لم يأتِ التغيّر فجأة، بل تسلّل كما يتسلّل الغبار إلى البيت المهجور: ببطء، دون صوت، حتى صار في كل زاوية.
في البداية، كان المال فكرة.
ثم صار هدفًا.
ثم صار مقياسًا لكل شيء.
استيقظ ياسين ذات صباح وهو يفكّر في الأرقام قبل أن يفكّر في نفسه. كم دخل؟ كم خرج؟ ماذا يمكن أن يضاعف؟ ماذا يمكن أن يؤجَّل؟ لم يعد يسأل: هل هذا صواب؟ بل: هل هذا مربح؟
وحين تغيّر السؤال، تغيّر صاحبه.
التقى سعيدًا وحمزة في المقهى الذي جمعهم سنوات الفقر. المكان نفسه، الطاولات نفسها، لكن ياسين لم يعد هو نفسه. جلس بطريقة مختلفة، أخرج هاتفه مرارًا، وتحدّث عن “الفرص” و“الدوران السريع للمال” وكأنهما لغتان لا يفهمهما غيره.
قال سعيد مبتسمًا:
"المهم تكون مرتاح."
ردّ ياسين بنبرة لم ينتبه لها:
"الراحة تأتي لمن يعرف كيف يُدير الأمور، لا لمن ينتظرها."
ساد صمت قصير. نظر حمزة إلى سعيد، ثم إلى ياسين، وقال بهدوء:
"نحن لا ننتظر… نحن فقط لا نركض خلف كل شيء."
ابتسم ياسين ابتسامة باردة، وقال:
"وهذا سبب بقائكم حيث أنتم."
كانت الجملة أثقل مما تخيّل. لم يعتذر. لم ينتبه أصلًا. كان يشعر بشيء يشبه النصر، نصرًا صغيرًا على ماضٍ لم يعد يريد أن يشبهه.
مع سلمى، كان التفاخر أوضح. أخذها إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل، تحدّث عن خططه بصوت مرتفع، ودفع الحساب دون أن ينظر. كانت تنظر إليه، لا إلى المكان. لم يعجبها البريق في عينيه.
قالت له ذات مرة:
"أنا أحبك، لا ما تملكه."
ردّ بثقة زائدة:
"وما أملكه جزء مني الآن."
لم تجادله، لكن المسافة بين الكلمتين كانت كافية لتصنع شرخًا.
أما أمه… فكانت الخسارة الأعمق.
دخل البيت متأخرًا، ووضع بعض المال على الطاولة. لم يكن كثيرًا، لكنه وضعه كما تُوضع الحجة، لا الهدية. قالت له بهدوء:
"البيت لا يُقاس بما يدخل إليه، بل بما يبقى فيه."
أجابها بنفاد صبر:
"الزمن تغيّر يا أمي، والكلام لم يعد يكفي."
رفعت رأسها ونظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
"أخاف أن يكون المال قد سبقك إلى قلبك."
ضحك ضحكة قصيرة، وقال:
"تقلقين كثيرًا."
لكنه في داخله لم يكن يضحك.
بدأ المال يتناقص كما بدأ: بصمت.
صفقة لم تكتمل.
مبلغ تأخّر.
شريك اختفى.
قالوا له: “طبيعي.”
وقال لنفسه: “مؤقّت.”
لكن المؤقّت طال.
وفي ليلة واحدة، جلس يحسب، فوجد أن ما بقي أقلّ مما بدأ به. لم يخسر كل شيء، لكنه خسر ما كان يظنه ضمانًا. المال القليل الذي ظنّه ثابتًا، انزلق من بين أصابعه.
أغلق الدفتر.
أطفأ الهاتف.
جلس وحده.
لأول مرة منذ أشهر، لم يفكّر في الربح، بل في الوجوه التي تغيّرت نظرته إليها. سعيد. حمزة. سلمى. أمه.
هم لم يتغيّروا.
هو الذي تغيّر.
همس في الظلام:
"متى بدأت أخسر نفسي قبل أن أخسر المال؟"
لم يجد جوابًا.
لكن الخسارة الأولى كانت قد وقعت.
ليست في الحساب…
بل في القلب.