الفصل الثالث عشر: الخطوة الأولى
لم تكن الخطوة الأولى صاخبة كما كان يتخيّلها الناس حين يتحدثون عن البدايات.
لم تُعلن عنها لافتة، ولم يصفّق لها أحد. كانت بسيطة إلى حدّ الشك، وخفيفة إلى حدّ الخوف.
دخل ياسين ذلك المكان وكأنه لا يدخل جديدًا، بل يعود إلى شيء يعرفه مسبقًا. وجوه مألوفة، أحاديث تُقال بنبرة عادية، لكن خلفها حسابات لا تُقال. جلس، استمع، وأومأ برأسه أكثر مما تكلّم. تعلّم سريعًا أن من يتكلم كثيرًا في البداية، يدفع الثمن أولًا.
العرض لم يكن واضحًا تمامًا، لكنه كان مغريًا بما يكفي:
ربح سريع، جهد أقل، ووعود بأن “الجميع يفعل ذلك”.
قال أحدهم وهو يبتسم:
"لا أحد يخسر هنا… الخاسر فقط هو من يتردّد."
شعر ياسين بانقباض خفيف. لم تكن الكلمات جديدة، لكنه هذه المرة كان داخل الدائرة، لا خارجها. الفرق بين السامع والمشارك فرق أخلاقي قبل أن يكون عمليًا.
تذكّر نصيحة أمه، وسؤال سلمى، وتحذير سعيد. مرّت كلها في رأسه دفعة واحدة، ثم صمتت. لم تختفِ، لكنها انسحبت إلى الخلف، تاركة له القرار.
قال بهدوء:
"أحتاج أن أفهم التفاصيل."
ضحك أحدهم ضحكة قصيرة، وقال:
"التفاصيل تقتل الفرص."
كانت تلك أول إشارة خطر، لكنه تجاهلها. أقنع نفسه أن الحذر لا يعني الانسحاب، وأن الفهم لا يعني الرفض. وافق مبدئيًا، دون توقيع، دون التزام كامل. خطوة صغيرة، هكذا سمّاها في داخله.
في الأيام التالية، بدأت الحركة. أرقام تتحرك، مكالمات قصيرة، لقاءات سريعة. رأى المال لأول مرة يقترب منه دون أن يطارده. كان الشعور جديدًا، مربكًا، ومخيفًا أكثر مما هو مفرح.
في البيت، لاحظت أمه تغيّره. لم تسأله، لكنها قالت ذات مساء:
"اليد التي تمسك المال لأول مرة، ترتعش… لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعتد الوزن."
ابتسم دون رد.
أما سلمى، فشعرت بالمسافة تتّسع. لم تعد ترى في عينيه ذلك التردّد القديم، بل شيئًا آخر… طموحًا حادًّا، يكاد يجرح صاحبه. سألته بصراحة:
"هل ما تفعله يشبهك؟"
تردّد لحظة، ثم قال:
"أحاول أن يشبهني."
لم تكن إجابة مقنعة، لكنها كانت صادقة.
مرّت الأسابيع الأولى دون خسارة. وهذا ما كان خطيرًا. النجاح السريع لا يُعلّم، بل يُغري. بدأ يثق أكثر مما يجب، وبدأ الفريق يضغط بلطف:
"الفرصة تكبر، والوقت لا ينتظر."
في داخله، كان صوت صغير يهمس: تمهّل.
لكن صوتًا آخر أعلى كان يقول: هذه هي اللحظة التي انتظرتها.
وفي ليلة هادئة، جلس وحده، وأدرك أنه لم يعد على الأرض الصلبة، ولا في الهواء بعد. كان في منتصف الطريق، حيث السقوط محتمل، والصعود غير مضمون.
أغمض عينيه، وقال في نفسه:
"لقد بدأت… ولا شيء أخطر من بداية لا تعرف أين تنتهي."
وهكذا كانت الخطوة الأولى:
غير ثابتة،
غير نظيفة تمامًا،
لكنها كانت خطوة.
والخطوات…
لا تُقاس بنيّتها،
بل بما تجرّه خلفها.