الفصل الثاني عشر: الاستعداد
لم يكن الاستعداد ضجيجًا ولا حركة ظاهرة، بل كان تغيّرًا داخليًا يسبق الفعل.
صار ياسين أقل كلامًا، وأكثر انتباهًا. لم يعد يكتفي بالعمل، بل بدأ يفهمه. يراقب كيف تُدار الأشياء، كيف يُحسب الربح، وكيف تُخفى الخسارة خلف كلمات مطمئنة.
كان يدّخر القليل الذي يستطيع، لا لأن القليل يكفي، بل لأنه يريد أن يعتاد فكرة الادخار قبل المال نفسه. امتنع عن أشياء كان يراها ضرورية، واكتشف أنها لم تكن كذلك. تعلّم أن يؤجّل، وهذه كانت أول مهارة حقيقية يكتسبها.
لاحظ حمزة تغيّره، فقال له ذات مساء:
"صرتَ تفكّر أكثر مما تتعب."
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة. لم ينكر، ولم يشرح.
في البيت، كانت أمه تراقب بصمت. لم تسأله عمّا ينوي فعله، لكنها بدأت تغيّر بعض التفاصيل الصغيرة: تطبخ أقل، تشتري بحذر، كأنها تهيّئ البيت لمرحلة جديدة دون أن تسميها.
في إحدى الليالي، قالت له وهي تطوي ثوبًا نظيفًا:
"الخطوة التي تُحسب كثيرًا… غالبًا تُحسب على صاحبها."
لم يفهم إن كانت تحذيرًا أم تشجيعًا، لكنه شعر بثقل الجملة.
أما سلمى، فكانت أقرب مما ينبغي وأبعد مما يستطيع. صار يحدّثها عن أفكاره دون تفاصيل، عن رغبته في التغيير، عن خوفه من الفشل. كانت تستمع، ثم تسأله سؤالًا واحدًا فقط في كل مرة:
"وهل تستطيع أن تعيش مع نتيجة هذا القرار؟"
كان السؤال يزعجه لأنه صادق.
بدأت بعض الأبواب تلوح أمامه. أحاديث جانبية، عروض غير مكتملة، ووعود تُقال بثقة أكثر مما تستحق. لم يدخل شيئًا بعد، لكنه شعر بالإغراء يقترب. ليس إغراء المال وحده، بل إغراء الخروج السريع، إغراء أن يتجاوز مرحلة كاملة دفعة واحدة.
جلس مع سعيد ذات ليلة، وقال له عمّا يفكّر فيه. استمع سعيد طويلًا، ثم قال:
"أخطر شيء في الصعود… أنك قد تختار السلم الخطأ."
ظلّت الجملة عالقة في ذهنه.
في الأيام الأخيرة من تلك المرحلة، شعر ياسين أنه يقف على حافة غير مرئية. لم يكن خائفًا، لكنه لم يكن مطمئنًا أيضًا. كان يعرف أنه إذا تحرّك، فلن يكون الرجوع سهلًا. ومع ذلك، لم يعد البقاء ممكنًا.
في صباح هادئ، خرج من البيت وهو يحمل قرارًا لم يُعلن عنه بعد. لم يكن القرار واضح التفاصيل، لكنه كان واضح النية:
سيحاول.
لم يكن يعلم أن هذه المحاولة الأولى
ستُسقطه من جديد،
ولا أن السقوط القادم
سيكون أقسى من الفقر نفسه،
لأنه سيكون سقوط أمل…
لا سقوط مال فقط.
وهكذا انتهت مرحلة الفقر،
وبدأت مرحلة المحاولة،
حيث لا يكفي الصبر،
ولا تنقذ النية وحدها.