نهر بلا دماء - الفصل الحادي عشر: فكرة الخروج - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: نهر بلا دماء
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر: فكرة الخروج

الفصل الحادي عشر: فكرة الخروج

لم تأته الفكرة في لحظة إلهام، ولا في ساعة صفاء. جاءت وهو متعب، جالس على حافة السرير، يعدّ ما تبقّى في جيبه، ويحسب الأيام لا المال. كانت فكرة بسيطة، لكنها ثقيلة: لا يمكن أن يستمر هكذا. لم يكن ياسين يكره العمل، بل كان يكره الشعور بأن جهده يذوب دون أثر. يعمل اليوم ليبقى واقفًا غدًا، ثم يعود إلى النقطة نفسها. لا تقدّم، لا مساحة للتنفس، فقط دوران بطيء في المكان ذاته. بدأ يلاحظ التفاصيل التي لم يكن ينتبه لها من قبل. كيف يربح بعض الناس من أشياء صغيرة، وكيف تكبر محالّ بسيطة لأنها أُديرت بصبر، لا بذكاء خارق. صار يراقب أكثر، ويسأل أقل. يختزن الملاحظات كما يختزن الجائع الخبز. جلس ذات مساء مع حمزة وسعيد، وتحدّثوا عن العمل كعادتهم. قال حمزة وهو يقلب كوب الشاي بين يديه: "المشكلة ليست أننا فقراء… المشكلة أننا لا نعرف كيف نخرج." لم يضحك ياسين هذه المرة. اكتفى بهزّ رأسه. عاد إلى البيت وهو يحمل العبارة معه. لم يخبر أمه بشيء، لكنه لاحظ أنها كانت تراقبه من بعيد. في اليوم التالي، وجدها تفرز بعض الأغراض القديمة، تضع ما لا تحتاجه جانبًا، وتُبقي ما يمكن إصلاحه. قالت دون أن تنظر إليه: "البيت الضيّق لا يتّسع للفوضى." فهم الرسالة على طريقته. لم تكن لديه خطة بعد، ولا مال، ولا ضمانات. كان لديه فقط شعور متزايد بأن البقاء في هذا الوضع سيكلفه أكثر من محاولة الخروج منه. لكنه كان يعرف أيضًا أن أي خطوة خاطئة قد تُعيده إلى نقطة أسوأ. صار يفكّر في الطرق السريعة، ثم يستبعدها واحدة واحدة. ليس لأنها غير مغرية، بل لأنها لا تشبهه. كان يخشى أن يربح شيئًا ويخسر نفسه في الطريق. وفي إحدى الليالي، التقى سلمى صدفة. تحدثا قليلًا، ثم صمتا. قالت فجأة: "أحيانًا، أكثر ما يخيفنا ليس الفشل… بل أن ننجح بطريقة لا نستطيع الدفاع عنها." نظر إليها طويلًا، كأنها قالت ما كان يدور في داخله منذ أيام. عاد بعدها وهو أكثر حذرًا، وأكثر وضوحًا في الوقت نفسه. أدرك أن الخروج من الفقر ليس قفزة، بل مسار. وأن المسار يحتاج إلى قرار أول، حتى لو كان بلا تفاصيل. في تلك الليلة، كتب في ورقة صغيرة، ثم طواها ووضعها في جيبه. لم يكتب خطة، ولا أرقامًا، كتب جملة واحدة: لن أبقى هنا طويلًا… لكنني لن أخرج بأي ثمن. كانت تلك هي الفكرة. غير مكتملة، غير جاهزة، لكنها صادقة. ومعها، بدأ العدّ التنازلي لأول محاولة حقيقية، محاولة ستُخطئ قبل أن تُصيب، لكنها ستعلّمه الفرق بين الطموح والاستعجال.