الفصل العاشر: الفتاة
لم يدخلها الحب كما تدخل العواصف، بل كما يدخل الضوء من نافذة صغيرة لا يُنتبه لها في البداية.
لقاء عادي، في مكان عادي، وفي وقت لم يكن ينتظر فيه شيئًا من الحياة سوى أن تمرّ.
كان ياسين في طريق عودته من العمل حين توقف عند متجر صغير لشراء بعض الحاجيات. كانت تقف هناك، تتحدث مع البائع بصوت منخفض، لا يلفت الانتباه، لكن حضورها كان مختلفًا. لم تكن جميلة بالمعنى السريع للكلمة، بل هادئة، مرتّبة، كأنها تعرف أين تضع نفسها دون أن تزاحم أحدًا.
التقت عيناهما لحظة قصيرة، ثم انصرف كلٌّ إلى شأنه. لم يحدث شيء يستحق الذكر، ومع ذلك، بقيت تلك اللحظة عالقة في ذهنه أكثر مما ينبغي.
تكرّر اللقاء بعد أيام، ثم بعد أسابيع. أحيانًا صدفة، وأحيانًا بتعمّد خفيف لا يعترف به أيٌّ منهما. كلمات قليلة، تحية مختصرة، ثم حديث أطول بقليل عن أمور لا أهمية لها: العمل، الطريق، الطقس، أشياء تُقال حين لا يريد الإنسان أن يقول ما هو أهم.
اسمها سلمى.
كانت مختلفة عن الفتيات اللواتي عرفهن من قبل. لا فضول زائد، ولا أسئلة محرجة، ولا محاولة لاختراق حياته. كانت تستمع أكثر مما تتكلم، وحين تتكلم، تختار كلماتها بعناية، كأنها تخشى أن تترك أثرًا زائدًا.
لاحظ ياسين أنها لا تسأله عن ماضيه، ولا عن مستقبله. لم تسأله لماذا يعمل هذا العمل، ولا لماذا يبدو متعبًا دائمًا. كانت تتعامل معه كما هو، لا كما تريده أن يكون. وهذا ما أربكه.
في إحدى المرات، جلسا على مقعد حجري قرب الطريق، صامتين أكثر مما يتكلمان. قال فجأة، دون تخطيط:
"أحيانًا أشعر أن الحياة تُضيّق الخناق دون سبب."
نظرت إليه قليلًا، ثم قالت:
"ربما لأنها تريد أن ترى كيف نتنفس تحت الضغط."
لم تكن إجابة جاهزة، لكنها كانت صادقة.
شعر معها بشيء لم يشعر به منذ زمن: راحة بلا التزام، وقرب بلا مطالب. لم يعد يشعر أنه مطالب بأن يكون قويًا أو ناجحًا أو واثقًا. كان مجرد إنسان، وهذا كان كافيًا.
لكن هذا القرب لم يكن خاليًا من القلق. كان هناك شيء غير واضح، شيء لا يعرف مصدره، لكنه يشعر به كلما اقترب أكثر. كأن العلاقة تحمل في داخلها سؤالًا مؤجلًا، أو حقيقة لم تُكشف بعد.
ذات مرة، رآها تركب سيارة فاخرة، تختلف تمامًا عن عالمه. لاحظ تردّدها قبل أن تصعد، ونظرتها السريعة نحوه، كأنها تعتذر عن شيء لم تقله. لم يسأل، لكنها كانت أول مرة يشعر فيها أن المسافة بينهما أكبر مما ظن.
عاد إلى البيت تلك الليلة وهو يفكّر فيها أكثر مما أراد. لم يكن حبًا مكتملًا، ولا تعلقًا أعمى، بل شيء بينهما: اهتمام حذر، ورغبة في القرب، وخوف من السؤال.
قالت له أمه في تلك الليلة، دون أن تعرف شيئًا عنهما:
"ليس كل ما يقترب منا يريد أن يؤذينا… لكن ليس كل ما نحبّه يُشبهنا."
لم يعلّق، لكنه شعر أن الجملة وُضعت في طريقه عمدًا.
كانت سلمى بداية شيء جميل،
لكن الجمال أحيانًا لا يأتي ليمنح الطمأنينة،
بل ليضع الإنسان أمام اختبار صامت.
اختبار لم يكن ياسين يعرف بعد
أنه سيكون أحد أصعب ما سيواجهه،
ليس لأنه أحبّها،
بل لأن الحقيقة التي تحملها
ستضع كل قيمه
على المحك.