الفصل التاسع: الأم
لم تكن فاطمة امرأة كثيرة الكلام، ولم تحاول يومًا أن تشرح الحياة لابنها كما يفعل الواعظون. كانت تؤمن أن بعض الحقائق إن قيلت مباشرة فقدت أثرها، وأن الإنسان لا يتعلّم إلا حين يكتشف بنفسه.
كانت تستيقظ قبل ياسين بقليل، تُعدّ الشاي، وتتركه على الطاولة دون أن تناديه. وحين يعود متعبًا في المساء، لا تسأله كيف كان يومه، بل تسأله إن كان جائعًا. كأنها تفصل بين التعب والكرامة، بين ما يُرهق الجسد وما يُرهق الروح.
لاحظ ياسين، مع مرور الأيام، أن أمه لم تشتكِ يومًا من الفقر، ولم تلعن الغياب، ولم تذكر اسم أبيه إلا في لحظات نادرة. لكنها كانت تفعل أشياء صغيرة تحمل معاني أكبر من الكلام.
حين رآها ذات صباح تُعيد ترتيب البيت، تخلّصت من بعض الأثاث القديم، لكنها احتفظت بكرسي خشبي مكسور. وحين سألها لماذا لم ترمه، قالت ببساطة:
"بعض الأشياء لا تُستبدل… تُصلَح."
لم يفهم الجملة وقتها، لكنه حملها معه دون أن يدري.
في مرة أخرى، عاد إلى البيت غاضبًا. كان قد تعرّض لظلم واضح في عمله، وأحسّ أن الصمت صار إهانة. جلس، وحدّثها عمّا حدث، منتظرًا أن توافقه الغضب أو تدفعه للرد.
استمعت إليه حتى النهاية، ثم قالت بهدوء:
"ليس كل ما يُؤخذ منك يُسترد بالصوت العالي."
ثم نهضت، وأكملت عملها.
كانت تلك الجملة كافية لتوقف اندفاعه، لا لأنها أقنعته، بل لأنها تركته يفكّر.
في المساء، جلسا معًا يتناولان العشاء البسيط. قالت فجأة، دون مناسبة ظاهرة:
"أبوك لم يكن أغنى الناس، لكنه كان يعرف متى يقول لا."
لم تُضف شيئًا آخر.
بدأ ياسين يدرك أن أمه لا تعطيه حلولًا، بل تعلّمه كيف يزن الأمور. لا تسأله عمّا يريد أن يكون، بل تذكّره بما يجب ألّا يصبحه. كانت تزرع في داخله حدودًا غير مرئية، حدودًا أخلاقية لا تُفرض، لكنها تُحترم.
وفي إحدى الليالي، بينما كان يفكّر في مستقبله بصمت، سمعها تقول من الغرفة المجاورة:
"الطريق السريع يُتعب في آخره."
لم يكن السؤال موجهًا إليه، ولا النصيحة مقصودة له وحده، لكنها استقرّت في ذهنه كتحذير مبكر.
فهم حينها أن أمه لا تقف في طريقه، لكنها تقف داخل الطريق نفسه، تشير دون أن ترفع يدها، وتحذّر دون أن تخيفه. كانت تعرف أن الأيام ستضعه أمام اختيارات صعبة، وأنه سيُغرى بطرق مختصرة، لكنها كانت تثق أن ما زرعته بصمت سيظهر عند الحاجة.
في وجودها الهادئ، شعر ياسين أن هناك ميزانًا داخليًا بدأ يتشكّل.
ميزان لا يقيس الربح والخسارة،
بل يقيس ما يبقى منه
بعد كل اختيار.
وكان ذلك، دون أن يشعر،
أهم ما امتلكه
وهو ما يزال في القاع.
الفصل القادم سيكون:
ن