وليمه العشاء - الفصل 1 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وليمه العشاء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

الضباب يلف وادي الأنياب كغطاء رمادي ثقيل، يخفي ممراته وحوافه الصخرية، ويجعل كل صوت يبدو أكبر مما هو عليه. في هذا الوادي، لم يكن الضعفاء يُمنحون فرصة للبقاء. منذ اليوم الأول الذي وصل فيه راين إلى هذا المكان، علم أن كل خطوة خاطئة قد تكون الأخيرة، وكل نفس يُؤخذ هنا يكلّف ثمناً باهظاً. راين كان فتىً هزيل البنية، قليل الخبرة، ضعيف أمام الوحوش التي تجوب المكان. ومع ذلك، كانت عيناه تحملان شيئاً مختلفاً عن بقية البشر، شيئاً بدا وكأنه أمل صغير لا يمكن للظلام أن يبتلعه بالكامل. رغم الجوع والبرد، رغم كل الألم الذي يعانيه جسده، لم يتراجع خطوة واحدة. لم يكن أمامه خيار آخر، فالبقاء على قيد الحياة هنا يعني أكثر من مجرد الحذر: يعني مواجهة الموت وجهاً لوجه. سارت الرياح عبر الوادي، محملة برائحة التراب الرطب ونفحات الأعشاب الميتة، وأخذت أصوات الزئير تتردد بين الصخور والجبال المحيطة. كان الصدى يجعل الصوت أقوى، وكأنه نداء لعالم مظلم، يذكّر راين بأن كل خطوة يخطيها مراقبة من عيون خفية، ربما تعود لتنين ضخم يطير في السماء، أو وحوش تتربص في الظلال. بدأ قلبه يخفق بسرعة، وساقاه ترتجفان من التعب والخوف. لكنه لم يتوقف. تقدّم خطوة، ثم أخرى، محاولاً الحفاظ على توازنه وسط الصخور المبللة والانحدارات الصغيرة. كل حركة له كانت محسوبة، كل نفس يأخذه كان محاولة لإقناع نفسه أنه قادر على الصمود. كان يعرف أن أي لحظة تردد قد تكون نهايته. ثم، ظهر فجأة أمامه: وحش ضخم، رمادي اللون، جسده مغطى بقشور خشنة، وأنيابه الطويلة تتلألأ في ضوء الشمس الباهت المتسلل من بين الغيوم الكثيفة. عيناه تتوهجان بلون أصفر قاتم، مليئان بالغضب والشر. لقد كان كائنًا من نوع لم يره من قبل، مزيجاً بين الذئب العملاق والتنين الصغير، يملك قوة هائلة تفوق أي بشر. سقط راين على ركبتيه، شعوره بالعجز يغمره، لكن شيئاً بداخله رفض الاستسلام. قبض على خنجر صغير قديم، الشفرة متآكلة والحافة مشوهة من كثرة الاستخدام، لكنه كان سلاحه الوحيد. رفعه بيد مرتجفة، ورغم كل الخوف، استطاع أن يثبت نظره على وحش الوادي المخيف. تقدم الوحش ببطء، كل خطوة تثقل الأرض، وكل زئير يصم الآذان. كان يراقبه، كأنه يعرف ضعفه ويستمتع برؤيته. لكن مع كل خطوة كان راين يشعر بشيء غريب في جسده، دفء يبدأ من قلبه ويتسرب إلى كل أطرافه. شعور لم يشعر به من قبل، كأنه قوة خفية بدأت تستيقظ بداخله، شيء يجعله أكثر استعدادًا لمواجهة ما كان مستحيلاً قبل لحظات. بلا تفكير، اندفع نحو الوحش، ضربه بخنجره في مكان حساس بين الصدر والرقبة، ثم تراجع بسرعة. صرخ الوحش، صدى صوته ارتد بين الصخور كهدير جبلي. لكنه لم يهاجمه مباشرة، بل أشار بصمت إلى أن هناك شيء مختلف في هذا الفتى الضعيف. شيء جعله يلتفت للحذر، ربما لأول مرة في حياته الوحشية. وقف راين متعبًا، عرق يغطّي جبينه، جسده يرتجف من التعب والخوف، لكنه شعر بإثارة غير معتادة. كان يعرف، حتى لو لم يفهم بعد، أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه، الطريق الذي سيجعله أقوى، الطريق الذي سيتطلب منه تجاوز حدود جسده وعقله. وبينما الوحش يتراجع خطوة، ظهر في السماء شيء أكبر، ظل هائل يطير فوق الوادي. تنين ضخم، أجنحته تمتد لمسافة طويلة، قشوره تتلألأ بألوان داكنة، وعيناه تراقبان كل تحرك في الأسفل. راين رفع رأسه، وعيونه تلتقي مع بصر التنين، شعور مختلط بالخوف والإعجاب. لم يكن يعرف إن كان هذا التنين صديقًا أم عدواً، لكنه شعر أن شيئاً ما في هذا الكائن الضخم يعرفه، يراقبه، ربما يختبره. بدأت الأرض تهتز قليلاً مع تحريك التنين لأجنحته، ورائحة الكبريت والدخان تنتشر في الهواء. كان كل شيء من حوله يتحرك كأنه يستجيب لوجود هذا العملاق السماوي. راين شعر بأن اللحظة حاسمة: عليه أن يثبت نفسه، أن يظهر أنه ليس فريسة سهلة، وأن هذا العالم لن يبتلعه بلا مقاومة. اقترب الوحش منه مرة أخرى، لكنه هذه المرة شعر بخوف خفي، ربما بسبب شيء لا يستطيع فهمه في الفتى الصغير. وبإحساس غريزي، اندفع راين، هذه المرة بضربات متسلسلة، متجنبًا أسنان الوحش ومخالبها، مستخدمًا كل ما تعلمه من حركة وذكاء للبقاء على قيد الحياة. وفي كل ضربة، كان يشعر بالقوة تتدفق في داخله، كما لو أن قلبه بدأ يتغير، يتحول إلى شيء آخر، شيء أقوى، شيء لم يكن يعرف أنه يمتلكه. ثم حدث ما لم يتوقعه: دفعة من الحرارة اجتاحت جسده، شعور كأنه احتراق من الداخل، لكنه ليس ألماً عاديًا. كان هذا شعور بالقوة، شعور بالغريزة، شعور يجعل كل عظامه وعضلاته تعمل بكفاءة لم يعرفها من قبل. ابتسم راين لنفسه لأول مرة منذ وصوله إلى هذا الوادي. كان يعرف، حتى لو لم يفهم بعد، أن هذه ليست مجرد معركة للبقاء على قيد الحياة… هذه كانت بداية تحول كامل، بداية رحلة سيكتشف فيها قوة لم يكن يجرؤ على تخيلها من قبل. الوحش صرخ مرة أخيرة، ثم تراجع، كأن شيئًا في الجو جعله يتردد. راين شعر بأنه لا يمكن للضعفاء البقاء هنا بعد الآن، وأن العالم الذي يحيط به لن يمنحه فرصة ثانية. لكنه لم يعد ضعيفًا. لم يعد مجرد فتى هزيل يركض ويختبئ. شيئًا قد تغير بداخله، شيء جعله يرى العالم بشكل مختلف، شيء جعله يشعر بالقوة لأول مرة في حياته. وقف راين وسط الضباب، جسده يرتجف، عرقه يغطي وجهه ويديه، لكنه شعر بالانتصار الأول. لم يكن انتصارًا كبيرًا، لكنه كان بداية الطريق. بداية الطريق نحو القوة، نحو البقاء، وربما يومًا ما، نحو السيطرة على هذا العالم القاسي. الجوع بداخله لم يكن مجرد رغبة في الطعام بعد الآن. كان جوعًا للقوة، للسيطرة، للبقاء. وعندما رفع رأسه مرة أخرى ليتطلع إلى السماء، شعر بأن كل خطوة سيخطوها من الآن فصاعدًا ستكون اختبارًا جديدًا، وكل معركة ستقوده نحو مصيره، مصير لم يكتشفه بعد، لكن كان يعلم يقينًا أنه لن يكون ضعيفًا مرة أخرى.