الفصل 5
الغرفة الصغيرة في مقر "المضحيين" تبدو أكثر قتامة في هذه الساعة المتأخرة. الجدران الخرسانية الخشنة تنقط منها قطرات ماء الرطوبة ببطء منتظم، تسقط على الأرضية المتآكلة فتصدر صوتاً خفيفاً متكرراً كإيقاع ساعة ميتة. الرائحة كريهة: عفن، رطوبة، بقايا دخان بارود عالق في الهواء. لكن ماركوس لا يشم شيئاً من ذلك. عقله بعيد، عالق في وجه دور الأخير – العينان الغائرتان، الشفاه المتشققتان، الجسد المتيبس على السرير. يحدق في السقف المتشقق، يداه خلف رأسه، لا يفكر سوى في أخيه. لا في المافيا، لا في الانتقام، فقط في الذكرى التي لا تتركه.
الباب يُفتح فجأة.
تانو يدخل بخطوات سريعة، وجهه جامد كالعادة.
«جهز نفسك. لدينا عملية في منطقة قريبة. نتحرك بعد ربع ساعة.»
ماركوس يقفز من السرير فوراً. الإطار الحديدي يصدر صريرًا حادًا، يتردد في الغرفة كصرخة مكتومة. يرتدي السترة التكتيكية بسرعة، يمسك M16، يتفقد المخازن. لا كلام. فقط حركة آلية.
**ننتقل إلى رجال أكريغور**
في منطقة صناعية مهجورة على أطراف موسكو، تحت ضوء مصباح شارع واحد مكسور، يقف أربعة رجال في الظلال. يرتدون معاطف داكنة، أسلحة تحت الجاكيتات. أحدهم يتحدث في هاتف مشفر، صوته منخفض لكن حاسماً.
«نعم، سيدي. حددنا موقعاً تابعاً لهم. أرسلنا لهم إحداثيات مزيفة عبر قناة مفتوحة. سيصلون خلال ساعة. الكمين جاهز.»
صوت أكريغور يأتي من السماعة، بارد كالجليد:
«لا تخطئوا. أريد أحياءً… لكن ليس كثيرين. اقتلوا معظمهم.»
الرجل يومئ، يغلق الهاتف. ينظر إلى رفاقه.
«يأتون. استعدوا.»
**عودة إلى المضحيين**
المركز يعج بالحركة المنظمة. الخمسة عشر – أو ما تبقى منهم بعد العملية السابقة – يتجهزون بسرعة: أسلحة، قنابل يدوية، سماعات، سترات واقية. تانو يقود المجموعة، ماركوس بجانبه. ينزلون الدرج، يركبون السيارات الثلاث، تنطلق في الشوارع المظلمة.
أثناء القيادة، يشعر ماركوس بوخز حاد في صدره – ليس ألماً جسدياً، بل إحساس غريزي. كأن شيئاً داخلياً يصرخ: "لا تذهب. الموت ينتظرك هناك." يشد على قبضته على البندقية، يحاول تجاهل الشعور. لا مفر من المكتوب، يقول لنفسه.
السيارات تتوقف في منطقة مهجورة: ساحة واسعة محاطة بمبانٍ صناعية متهالكة، أضواء خافتة من بعيد. ينزلون، يتحركون بحذر.
تانو يرفع يده: "انتظروا… لا شيء."
ماركوس ينظر حوله، يهمس:
«لا أحد هنا.»
تانو يلتقط حركة من طرف عينه – ظلال تتحرك خلف مبنى مجاور. عيناه تضيقان.
«سقطنا في كمين، يا ماركوس.»
ماركوس يتجمد لثانية، ثم يرفع البندقية.
فجأة، ينفجر الرصاص من كل الجهات. رجال أكريغور – عشرة أو أكثر – يفتحون النار من مواقع محصنة. طلقات الرشاشات تملأ الهواء كعاصفة معدنية.
تانو يصرخ:
«غطاء! انسحبوا!»
الرصاص يضرب الأرض، يرتد من الجدران. اثنان من المضحيين يسقطان فوراً، أجسادهما ترتجف ثم تسكن. ماركوس يفتح النار برد فعل، M16 يهتز في يديه، لكن طلقاته تذهب في الفراغ أو تصيب الجدران. بعض الرصاص يصيب جانب رجال أكريغور، يسقط أحدهم.
الرصاص يهطل مثل المطر الغزير. ماركوس وتانو وبعض الرجال يحتمون خلف جدار خرساني متهالك.
في لحظة تشتيت، يبرز كتف تانو من خلف الجدار ليغطي انسحاب أحد الرجال.
رصاصة، ثم ثانية، ثم ثالثة – تصيب كتفه اليسرى. الدم ينفجر، تانو يسقط على ركبتيه، يصرخ صرخة مكتومة.
ماركوس يركض نحوه دون تفكير، يحمله على ظهره بقوة، يركض نحو السيارات مع ما تبقى من الرجال – أربعة أو خمسة فقط.
الرصاص يطاردهم، يضرب السيارات، يكسر زجاجاً. يركبون، ينطلقون بسرعة مجنونة في الشوارع الضيقة.
**بعد الانسحاب**
رجال أكريغور يتجمعون في الظلام. أحدهم يمسك هاتفه، يتصل.
«سيدي… قتلنا منهم الكثير. أصِبنا أحد القادة – رجل طويل، يبدو أنه الزعيم. هربوا، لكنهم خاسرون.»
صوت أكريغور يأتي هادئاً، لكنه يحمل وعيداً:
«جيد. تابعوا الدم. لا تدعوهم يتعافون.»
الكاميرا تبتعد عن الموقع، ترتفع فوق المدينة. الثلج يبدأ يتساقط بخفة، يغطي آثار الدم والرصاص الفارغ على الأرض.
ماركوس في السيارة الخلفية، تانو مستلقٍ على حجره، ينزف بغزارة. يضغط ماركوس على الجرح بقوة، عيناه تلمعان بالغضب والخوف معاً.
«لا تمت… لا الآن.»
تانو يبتسم بضعف، صوته متقطع:
«… لم ننتهِ بعد.»
السيارات الثلاث تنطلق في الشوارع الضيقة المظلمة، محركاتها تعوي بغضب، أضواءها مطفأة جزئياً لتجنب الأنظار. في السيارة الوسطى، ماركوس يجلس في المقعد الخلفي، تانو مستلقٍ على حجره، الدم يتسرب من كتفه ويبلل ملابس ماركوس. أنفاس تانو ضعيفة، متقطعة، وجهه شاحب كالجثة. الرجال الآخرون – أربعة فقط – يصمتون، ينظرون من النوافذ، يمسكون أسلحتهم بقوة.
ماركوس يرفع رأسه فجأة، صوته حاد:
«لا نعود إلى المقر. إذا تبعونا… ينتهي كل شيء.»
أحد السائقين ينظر في المرآة:
«لكن الطبيب هناك، والأدوية…»
«لا وقت. خذوا الطريق الجانبي إلى المنزل السري في بيريسلاف. قريب، وغير معروف.»
السائق يومئ، يدير المقود بعنف. السيارات تتجه نحو حي قديم، مبانٍ منخفضة متآكلة، شوارع ضيقة لا تُستخدم إلا من قبل الهاربين.
عندما يصلون، يتوقفون أمام منزل صغير من طابقين، نوافذه مغطاة بستائر سميكة، الباب الخشبي مقشر. ماركوس يفتح الباب الخلفي، يحمل تانو على ظهره بقوة، يدخل مسرعاً. الداخل بارد، رائحة الغبار والخشب الرطب تملأ المكان. يضع تانو على طاولة مطبخ قديمة في الغرفة الرئيسية، يمدد جسده بعناية.
«أحضروا الإسعافات الأولية! واتصلوا بالطبيب الآن!»
أحد المضحيين – شاب نحيل بعينين متوترتين – يخرج هاتفه المشفر، يتصل برقم سريع.
«الطبيب… حالة طارئة. ثلاث رصاصات في الكتف. نحن في الموقع الثاني. تعال فوراً.»
الانتظار يصبح ثقيلاً. ماركوس يضغط على الجرح بقطعة قماش نظيفة، يده ترتجف قليلاً لكن عيناه ثابتتان. تانو يئن بضعف، يهمس:
«… لا تتركني أموت هنا…»
«لن تموت. سأقتلك لو مت.»
بعد عشرين دقيقة تقريباً، يرن جرس خفيف في الباب الخلفي. الطبيب يدخل: رجل في الخمسينيات، شعره أبيض، حقيبة جلدية قديمة في يده. يرتدي معطفاً عادياً، لكنه يتحرك بثقة الذي اعتاد على الطوارئ في الظلام.
«أين المريض؟»
ماركوس يشير إلى الطاولة. الطبيب يقترب، يفحص الجرح بسرعة. وجهه يتجهم.
«الحالة خطيرة. الرصاصات اخترقت العضلة، قريبة من الشريان. بدون عملية… ينزف داخلياً.»
«افعل ما تستطيع. هنا، الآن.»
الطبيب يفتح الحقيبة: أدوات بدائية نسبياً – ملاقط، مشرط، خيوط جراحية، مخدر موضعي، مضادات حيوية. لا غرفة عمليات، لا أشعة، فقط مصباح يدوي قوي يحمله أحد الرجال.
العملية تبدأ في توتر عالٍ. الجميع يحيط بالطاولة، أنفاسهم محبوسة. الطبيب يعطي تانو حقنة مخدر موضعي، يبدأ يقطع الجلد بحذر. صوت المشرط على اللحم خفيف لكنه مقلق. ماركوس يقف بجانبه، يمسك يد تانو السليمة، يضغط عليها بقوة.
«تحمل…»
الطبيب يجد أول رصاصة، يخرجها بملقط، الدم يتدفق. ثم الثانية، ثم الثالثة. كل واحدة تخرج مع صوت معدني خفيف يتردد في الصمت. يخيط الجروح، يضع ضمادات، يعطي حقنة مضاد حيوي.
بعد أربعين دقيقة من التوتر الذي بدا أبدياً، يرفع الطبيب رأسه.
«نجا. النزيف توقف، والرصاصات خارج. لكنه يحتاج راحة تامة، مضادات حيوية، ومراقبة. إذا حمى… قد يعود الخطر.»
ماركوس يتنفس بعمق لأول مرة. يمد يده، يمسك يد الطبيب بقوة.
«شكراً… شكراً من كل قلبي. أنت أنقذت حياته.»
الطبيب يومئ بتعب، يجمع أدواته.
ماركوس يلتفت إلى الرجال:
«خذوه إلى منزله الآن. أمنوه في الطريق، تأكدوا أنه يصل سالمًا. لا أحد يتبعه.»
الرجال يساعدون الطبيب على الخروج، يغادرون بهدوء.
ماركوس يعود إلى جانب تانو، الذي بدأ يفتح عينيه ببطء.
«سنبقى هنا حتى تشفى. لا عودة إلى المقر الآن.»
أحد المضحيين المتبقين – الشاب النحيل – يسأل بصوت منخفض:
«وماذا عن الباقين في المركز؟ سيقلقون.»
ماركوس يفكر لحظة، ثم يقول:
«اتصلوا بهم عبر القناة الآمنة. طمئنوهم أننا بخير، وأننا نختبئ فترة قصيرة في مكان بعيد. لا تفاصيل، لا موقع. فقط أننا على قيد الحياة… وأن الحرب لم تنتهِ.»
الشاب يومئ، يخرج هاتفه، يبدأ يكتب الرسالة المشفرة.
ماركوس يجلس بجانب الطاولة، ينظر إلى تانو الذي ينام الآن بعمق أكبر. يده على كتفه السليم، يضغط قليلاً كأنه يتأكد أنه لا يزال هناك.
الثلج يتساقط خارج النوافذ المغطاة، يغطي آثار السيارات والدماء في الشارع. المنزل السري صامت، لكنه آمن… مؤقتاً.