خلف جدران موسكو - الفصل 3 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف جدران موسكو
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

الساعة الثالثة فجراً. المقبرة القديمة في كابوتشنو تبدو كمدينة أشباح تحت ضوء القمر الباهت. الصلبان المائلة مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد، والريح تعوي بين الأشجار العارية كأنها تحذير. ماركوس يجلس على حافة قبر رقم 47 – قبر مجهول، لا اسم عليه – معطفه مرفوع إلى أذنيه، يداه داخل الجيوب. البرد يعض العظام، يجعل أسنانه تصطك بلا صوت. ينتظر. دقائق تمر. ربع ساعة. ثم يسمع خطوات خفيفة على التراب المتجمد. شخص يقترب من الظلام: طويل، يرتدي معطفاً داكناً طويلاً، وجهه مغطى بقناع أسود يظهر فقط عينيه الثاقبتين. «قف يا ماركوس.» ماركوس يرفع رأسه ببطء، يقف دون حركة مفاجئة. «من أنت؟» «أنا تانو. جئت لأخذك إلى المقر.» لا مزيد من الكلام. تانو يشير برأسه نحو السيارة السوداء المتوقفة على بعد أمتار، محركها يعمل بهدوء. ماركوس يتبعه دون تردد، يصعد إلى المقعد الخلفي. السيارة تنطلق فوراً، تندفع في الشوارع الخالية، تتجاوز أضواء المدينة النائمة. داخل السيارة، الصمت يخيم لدقائق. ثم يبدأ تانو، صوته منخفض وهادئ كأنه يتحدث إلى نفسه: «قلتَ لي إن هدفك الانتقام لأخيك. صحيح؟» ماركوس ينظر من النافذة إلى الظلام المتحرك خارجها. «نعم. بكل تأكيد.» تانو يلتفت قليلاً، عيناه تلتقيان بعيني ماركوس في المرآة الداخلية. «لا تجعل الانتقام الشخصي هو الهدف الوحيد. اجعل هدفك – هدفنا جميعاً – أكبر.» «كيف؟» «هدم المافيا من جذورها. ليس قتل تورنازيلي أو أكريغور فقط. بل تدمير الإمبراطورية كلها: المصانع، الشبكات، الرشاوى، الخوف الذي يسيطر على المدينة. إذا سقطت رأس واحدة، تنبت أخرى. نحن نريد أن نقطع الجذور.» ماركوس يصمت لحظة، ثم يهمس: «أنا جاهز. دائماً.» تانو يمد يده، يربت على كتف ماركوس بحركة قصيرة، قوية، كأنها عهد صامت. الطريق يستمر ساعة ونصف. المدينة تتلاشى تدريجياً، تحل محلها أحياء متوسطة: مبانٍ رمادية من ستة طوابق، أضواء خافتة في النوافذ، سيارات قديمة متوقفة على الأرصفة. السيارة تتوقف أمام منزل عادي جداً من الخارج – لا لافتة، لا حراس ظاهرين – لكنه يبدو أقوى من الداخل. يدخلان من الباب الخلفي. ممر ضيق، درج داخلي يؤدي إلى الطابق السفلي. عندما يفتح تانو الباب الأخير، يتسع عينا ماركوس. الغرفة واسعة، مضاءة بأضواء LED زرقاء باردة. جدران مغطاة بشاشات عملاقة تعرض خرائط موسكو، إحداثيات حية، صور مراقبة لمبانٍ ووجوه وشاحنات. في الوسط طاولة كبيرة مليئة بأجهزة كمبيوتر، هواتف مشفرة، أسلحة مرتبة بعناية: مسدسات، بنادق هجومية، قنابل يدوية صغيرة، أجهزة تشويش. حول الطاولة يقف عشرون شخصاً تقريباً – رجال ونساء، أعمار مختلفة، وجوههم تحمل ندوباً وتعابير صلبة. بعضهم يرتدي سترات واقية، آخرون يتحققون من الخرائط أو يتحدثون بهمس في سماعات. تانو ينظر إلى ماركوس، يرى الدهشة في عينيه. «هذا مقر 'المضحيين'. هنا ندير كل شيء. نجمع المعلومات، نخطط، ننفذ. نضحي من أجل الناس الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، حتى لا يموتوا كما مات أقرباؤنا.» يضع يده على كتف ماركوس مرة أخرى، يقوده نحو غرفة جانبية صغيرة. داخلها: خزانة مفتوحة مليئة بأسلحة. تانو يخرج بندقية M16 – سوداء، نظيفة، جاهزة – وجعبة قتالية تكتيكية سوداء. يعطيها لماركوس. «هذه لك. الآن.» ماركوس يأخذها بيدين ثابتتين. يرتدي الجعبة: ثمانية مخازن رصاص ممتلئة، مثبتة على الصدر والخصر. يمسك البندقية، يفحصها بسرعة كأنه ولد معها. يرفعها إلى كتفه، ينظر في المرآة الصغيرة على الحائط. الوجه الذي يراه ليس وجه الشاب النحيل الحزين الذي كان يجلس بجانب جثة أخيه قبل أيام.  العيون أصبحت أكثر حدة. الفك مشدود. الندبة الصغيرة على يده تبدو الآن كعلامة شرف، لا كذكرى ألم. تانو يقف خلفه، ينظر إليه في المرآة أيضاً. «من اليوم، أنت لست ماركوس فقط. أنت مضحٍ. واحد منا.» ماركوس يومئ ببطء، يخفض البندقية، لكنه لا يتركها. «متى نبدأ؟» تانو يبتسم ابتسامة خفيفة، باردة. «قريباً جداً. لكن أولاً… يجب أن تثبت نفسك.» الأضواء الزرقاء ترتجف قليلاً على وجه ماركوس، تعكس تحولاً صامتاً، لا رجعة فيه. ///////////////////////////////////////////////////////////// الطابق السفلي في مقر "المضحيين" يعج بالحركة الصامتة المكثفة. ماركوس يجلس على طرف طاولة معدنية طويلة، بجانب ثلاثة أشخاص آخرين: امرأة ذات شعر أسود قصير وعينين حادتين، رجل في الأربعينيات بلحية خفيفة وندبة تمتد عبر خده، وشاب نحيل لا يتجاوز الخامسة والعشرين، يمسك مسدساً كأنه يتحقق من وزنه. الكل يرتدي السترات التكتيكية السوداء، الوجوه جامدة، لا ضحك، لا حديث جانبي. الباب الداخلي يُفتح بقوة. تانو يدخل بخطوات سريعة، معطفه مفتوح، عيناه تلمعان تحت الإضاءة الزرقاء. «خمسة عشر مضحياً. الآن.» يرفع صوته قليلاً، لكنه لا يصرخ. يكفي أن ينطق الأرقام. «ماركوس… أنت معنا.» ماركوس يرفع رأسه بسرعة. ملامحه تتغير فوراً: الفك يشد، العينان تضيقان، شفتاه تتقلصان في خط رفيع. ليس خوفاً. حماساً بارداً، كأن النار بدأت تشتعل داخل صدره بعد أيام من الرماد. الخمسة عشر ينهضون في وقت واحد. أصوات الكراسي الخشبية تُسحب على الأرضية الخرسانية، ثم أصوات أقدامهم الثقيلة على الدرج المعدني. صوت منظم، متزامن، كضربات طبل حربي خفيض. ينزلون إلى الشارع الخلفي. ثلاث سيارات فان سوداء تنتظرهم، محركاتها تعمل بهدوء. يتوزعون بسرعة: ماركوس في السيارة الوسطى، بجانب تانو الذي يقود. السيارات تنطلق في الظلام، تتجه نحو أطراف موسكو الشمالية الشرقية، حيث يقع مصنع صغير يبدو من الخارج كمستودع مهجور. **المهمة: تفجير المصنع.** داخل السيارة، تانو يتحدث بصوت منخفض: «المصنع ينتج الدفعة الجديدة. أكثر من خمسين كيلو في الليلة الواحدة. العمال يعملون الآن. لا حراس كثيرون في الخارج، لكن الداخل مليء. ندخل، نرمي القنابل من تحت الأبواب، ننسحب. لا اشتباك إلا إذا اضطررنا.» ماركوس يومئ. يده على مقبض البندقية M16، أصابعه تضغط عليها بقوة. السيارات تتوقف على بعد مئتي متر. ينزلون في صمت، يتحركون كظلال في الثلج الخفيف. يصلون إلى البوابة الرئيسية: سياج حديدي منخفض، باب معدني صدئ. داخل المصنع، أضواء فلورسنت بيضاء قاسية تتسرب من النوافذ العلوية، أصوات آلات خافتة، عمال يرتدون أقنعة واقية يحركون براميل وأكياس. تانو يشير. الجميع يخرجون القنابل اليدوية – خمس عشرة قنبلة، كل واحدة في يد مضحٍ. ماركوس يمسك قنبلته الأولى، يسحب الدبوس بحركة سريعة، يرميها من تحت فجوة في الباب. الآخرون يفعلون الشيء نفسه في الثواني التالية. الانفجارات تتعالى فجأة: دوي مدوٍ متتالٍ، نار برتقالية تخرج من النوافذ، دخان أسود كثيف يتصاعد إلى السماء. «انسحبوا!» يركضون إلى السيارات. ماركوس يركض معهم، قلبه يدق بقوة، لكنه لا يشعر بالخوف. يشعر بشيء آخر: بداية العدالة. السيارات تنطلق بسرعة، تبتعد في الظلام. الكاميرا تدخل داخل المصنع المحترق: اللهب يلتهم كل شيء. أجساد العمال متناثرة، بعضها مشتعلة، أكياس المخدرات تذوب وتنفجر في حريق واحد هائل. أكثر من خمسين كيلو من السم الأبيض تتحول إلى رماد في دقائق. **ننتقل إلى أكريغور.** سيارة مرسيدس سوداء تتوقف أمام فندق فاخر في وسط موسكو – "الأوروبي الكبير". أكريغور ينزل بسرعة، معطفه يرفرف خلفه، أربعة حراس مسلحين يتبعونه. يصعد الدرج الداخلي بسرعة، يرن جرس الجناح الرئيسي. يفتح الحارس الباب. أكريغور يدخل دون كلمة، يتجه مباشرة إلى غرفة المكتب. تورنازيلي جالس خلف مكتب ضخم من خشب الماهوغاني، يدخن سيجاراً كوبياً طويلاً. خواتمه الذهبية تلمع تحت ضوء الثريا، سلاسل ذهبية ثقيلة حول عنقه، بدلته مصممة خصيصاً لجسده البدين. أكريغور يقف أمامه، وجهه متوتر لأول مرة. «يقول له ماذة،حدث في المصنع» عينا تورنازيلي تضيقان ببطء. «من الذي فعلها؟» أكريغور يبتلع ريقه. «مجموعة جديدة… تسمي نفسها 'المضحيين'. دمروا المصنع الصغير في الشمال الشرقي. كل شيء احترق. العمال… كلهم.» تورنازيلي ينفث دخاناً ببطء، ينظر إلى أكريغور من تحت جفنيه الثقيلين. «عائق جديد؟» أكريغور يهز رأسه بتوتر. تورنازيلي يبتسم ابتسامة باردة. «لا يوجد عائق أمامنا. من يقترب مرة ثانية… من أي مصنع… اقتلوهم.» أكريغور يومئ برأسه بقوة. «نعم، سيدي.» يخرج أكريغور بسرعة. تورنازيلي يبقى جالساً، يدخن سيجاره ببطء، ينظر إلى النافذة الكبيرة. الكاميرا ترتفع، تخرج من الغرفة، تتجاوز الجدران، ترتفع فوق موسكو. المطر يهطل بغزارة الآن، يضرب الزجاج، يغسل الشوارع. الأضواء الذهبية للمدينة تنعكس في برك الماء، لكن تحتها، الظلام لا يزال يتحرك. المدينة لا تنام. والحرب بدأت للتو.