خلف جدران موسكو - الفصل 1 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف جدران موسكو
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

الكاميرا تتحرك ببطء عبر سماء موسكو الرمادية الثقيلة، حيث تتساقط الثلوج بخفة لا تُشبه الرحمة، بل كأنها غبار جليدي يغطي المدينة بطبقة من الصمت القاتل. الأضواء الخافتة للمصابيح الشارعية تتلاشى في الضباب البارد، وتظهر أبراج الخرسانة السوفييتية القديمة كأشباح عملاقة تنحني تحت وطأة الشتاء. تنزل الكاميرا تدريجياً نحو حي فقير في الضواحي الجنوبية، شوارع ضيقة مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد المتسخ، سيارات قديمة متراصة على جانبي الطريق كحيوانات نافقة. تتوقف سيارة لادا قديمة، لونها أزرق باهت متشقق، أمام مبنى من خمسة طوابق يبدو وكأنه على وشك الانهيار. يفتح الباب الجانبي بصرير معدني، وينزل منها شاب نحيل يرتدي معطفاً جلدياً قديماً متآكلاً عند الأكمام. ماركوس. عيناه الداكنتان مثبتتان أمامه، لا ينظر يميناً ولا يساراً. يحمل كيساً بلاستيكياً شفافاً في يده اليسرى، يصدر صوت خفيف للخضار وهو يهتز مع خطواته السريعة على الدرج الخارجي المكسور. الثلج يتراكم على كتفيه دون أن ينتبه. يصعد الدرج بسرعة، خطواته تدوي على الخرسانة المتآكلة، يتجاوز رائحة الرطوبة والقمامة المحترقة التي تملأ الممر. يصل إلى الباب الخشبي المقشر، يستخرج مفتاحاً من جيبه، يديره بقوة حتى ينفتح الباب بصوت احتجاجي. يدخل، يغلق الباب خلفه بحركة حاسمة. الداخل مظلم، مضاء فقط بمصباح واحد صغير معلق من السقف، يتأرجح قليلاً في الهواء البارد المتسرب من النوافذ المكسورة. الجدران مغطاة ببقع الرطوبة السوداء، رائحة التبغ القديم والعرق والشيء الحلو المقرف – رائحة المخدرات – تختلط في الهواء. ماركوس يضع الكيس على الطاولة الخشبية المتآكلة في المطبخ الصغير. يخرج منه بعض البطاطس، بصلتان، علبة بيض، رزمة مرتديلا رخيصة ملفوفة في ورق بلاستيكي. يخلع معطفه ببطء، يعلقه على مسمار في الحائط بجانب سترة دور القديمة التي لم تُلبس منذ أشهر. يرفع صوته، صوته هادئ لكنه يحمل نبرة قلق مكبوت: «دور؟ أين أنت؟» من الغرفة الداخلية، يأتي صوت مبحوح، ضعيف، كأنه يخرج من قاع بئر: «أنا هنا يا أخي… في الغرفة.» ماركوس يشد على أسنانه، يتجه نحو الباب الموارب. يدفعه بكفه، يدخل. الغرفة صغيرة، مرتبة بشكل فوضوي. سرير حديدي قديم، مرتبة رقيقة، بطانية رمادية متهالكة. دور جالس على الأرض، ظهره مسند إلى الحائط، ساقاه ممدودتان أمامه بلا حياة. وجهه شاحب كالموت، عيناه غائرتان، حدقتان متسعتان. بجانب يده اليمنى، على الأرضية الخشبية المتآكلة، ملقاة ثلاث حقن فارغة، إبرها لامعة تحت ضوء المصباح الخافت، وبقايا سائل شفاف لزج على إحداها. ماركوس يتجمد للحظة. ثم يتنفس بعمق، صدره يرتفع ويهبط ببطء. «قلنا إننا ننتهي من هذا السم الذي تدخله في جسدك، يا دور.» دور يرفع رأسه ببطء، يبتسم ابتسامة باهتة، مشوهة: «هذا ليس سماً يا أخي… هذا دوائي.» شيء ينكسر داخل ماركوس. عيناه تضيقان، يتقدم بخطوتين سريعتين، ينحني، يجمع الحقن بيد مرتجفة من الغضب المكبوت. يمسكها بقوة حتى تكاد تكسر في كفه، ثم يبدأ يكسرها واحدة تلو الأخرى. صوت الزجاج يتكسر حاداً في الصمت. دور يحاول النهوض، يمد يده الضعيفة: «لا! ماركوس… أعطني إياها…» لكنه لا يستطيع. جسده يهتز، يتمايل، يسقط على ركبتيه. ماركوس يواصل، يكسر آخر حقنة، يرمي الشظايا في سلة القمامة المعدنية بجانب السرير. ثم يلتفت، يمسك دور من كتفيه، يسحبه نحوه بحنان عنيف، يحتضنه بقوة كأنه يخشى أن يتلاشى. «ماذا تفعل بنفسك؟ أرجوك… اترك هذه الأشياء.» دور، بصوت بارد كالجليد: «حسنٌ يا أخي.» ماركوس يبتعد قليلاً، ينظر في عينيه مباشرة: «تقول هذا كل يوم… ولا تفعل شيئاً. لماذا تفعل هكذا؟» لا جواب. دور يخفض نظره فقط. ماركوس يتنهد، يميل، يقبل جبين أخيه بلطف، كما كان يفعل وهما طفلان. ثم يهمس: «تعال معي. أحضرت طعاماً. هيا، لنأكل.» يساعد دور على الوقوف. دور يتكئ عليه بثقل، خطواته متعثرة. يخرجان إلى المطبخ الصغير. ماركوس يشعل موقد الغاز القديم، يبدأ بتقطيع البطاطس بسرعة آلية. يقليها مع البصل، يضيف البيض، يرش قليلاً من الملح الخشن. رائحة الطعام الدافئ تملأ المكان، تحارب – للحظات – رائحة الموت التي تتسرب من الغرفة الداخلية. يجلسان على الطاولة الصغيرة. طبقان بسيطان أمامهما. ماركوس يأكل ببطء، يراقب أخاه. دور يأكل بنهم مفاجئ في البداية، ثم يتباطأ، ينظر إلى الطبق كأنه لا يصدق أن هناك طعاماً حقيقياً. للحظة، يبدو الأمر عادياً. أخوين يأكلان معاً في شقة باردة في أطراف موسكو. لكن تحت الطاولة، يد ماركوس اليسرى مشدودة على ركبته، أصابعه بيضاء من الضغط. وعلى يده اليمنى، ندبة صغيرة رفيعة – أثر محاولات سابقة لانتزاع الإبر من يد أخيه. الثلج يستمر في التساقط خارج النافذة، يغطي كل شيء بصمت أبيض لا يرحم. ---------------------------------ــــ_ــــ_ـ_---------------------------------- الكاميرا تنتقل بسلاسة من الضواحي الرمادية الباردة إلى قلب موسكو الفاخر، حيث تختفي الثلوج المتسخة تحت طبقة نظيفة من الجليد المصقول. الأضواء الذهبية للمباني الشاهقة تنعكس على الزجاج الداكن، والسيارات الفارهة تتحرك بصمت كالأشباح الغنية. برج زجاجي أسود شاهق يرتفع كإصبع عملاق يشير إلى السماء الملبدة، اسمه "برج النهر"، رمز السلطة الخفية التي تسيطر على المدينة من الظلال. الكاميرا تخترق الزجاج المعتم في الطابق الأعلى، تدخل شقة فسيحة تبدو كقصر معلق في السماء. الجدران مغطاة بألواح خشب الجوز الداكن، الأرضية رخام أسود لامع يعكس ضوء الثريات الكريستالية الضخمة. نار خفيفة تتراقص في مدفأة حديثة، لكن الدفء لا يصل إلى العيون هنا. على أريكة جلدية سوداء واسعة يجلس رجل طويل القامة، بنيته كالصخر المنحوت. أكريغور. معطفه الطويل الأسود مفتوح، يكشف عن قميص أسود ضيق يبرز عضلات صدره وذراعيه. وجهه قاسٍ، ملامحه حادة كشفرة، عيناه رماديتان لا ترمشان. يجلس باستقامة تامة، كأن الراحة جريمة لا يرتكبها. بجانبه، على كرسي مريح أكبر قليلاً، يجلس تورنازيلي. قصير القامة، بدين بشكل مفرط، بطنه يبرز تحت بدلة إيطالية مصممة خصيصاً له. أصابعه السمينة مغطاة بخواتم ذهبية ثقيلة تضغط على اللحم حتى تترك علامات حمراء. يدخن سيجاراً كوبياً طويلاً، الدخان يتصاعد ببطء كأنه يفكر بدلاً عنه. أكريغور يميل قليلاً إلى الأمام، صوته منخفض وثابت، كأنه يقرأ حكماً: «يا سيدي… الدفعة الجديدة جاهزة تماماً. المخدرات التي صممناها لهذه التجربة – التركيبة المعدلة – ستكون جاهزة للتوزيع في الأحياء الفقيرة. نريد أن نرى كيف ستعمل على نطاق واسع.» تورنازيلي ينفث دخاناً ببطء، ينظر إلى أكريغور من تحت جفنيه الثقيلين. صوته أجش، بارد كريح الشتاء التي تضرب النوافذ: «لا مشكلة. قُم غداً بتوزيعها… بسعر منخفض. ثلاثين بالمئة أقل من المعتاد. دع الجميع يشتري. نريد أن ينتشر بسرعة، نريد أن نرى النتائج.» يصمت لحظة، ثم يضيف بنبرة أكثر بروداً: «وإذا نجحت… نرفع السعر بعد أسبوعين. كالعادة.» أكريغور يومئ برأسه ببطء، حركة واحدة حاسمة. لا كلام زائد. ينحني، يمسك يد تورنازيلي السمينة بلطف غريب، يقبل الخاتم الكبير في إصبعه السبابة – قبلة طاعة وولاء لا تحتمل النقاش. ثم ينهض، يعدل معطفه، يتجه نحو الباب دون أن يلتفت. في الردهة، ينتظره أربعة حراس مسلحون ببدلات سوداء، مسدسات تحت الجاكيتات، وجوههم جامدة كالتماثيل. ينزلون الدرج الداخلي الواسع معاً، خطواتهم متزامنة، أحذيتهم اللامعة تصدر صوتاً خفيفاً على الرخام. المصعد الزجاجي ينتظرهم في الأسفل، ينقلهم إلى الطابق السفلي حيث تنتظر سيارة مرسيدس سوداء مطفية الأنوار، زجاجها معتم تماماً. أكريغور يجلس في المقعد الخلفي، الحراس يتوزعون حوله. السيارة تنطلق بسلاسة، تخرج من المجمع الفاخر، تتجه نحو أطراف المدينة حيث تتلاشى الأضواء الذهبية وتعود الظلمة الحقيقية. المصنع يقع في منطقة صناعية مهجورة جزئياً، مبنى ضخم من الطوب الأحمر القديم، محاط بسياج حديدي عالٍ وأضواء كاشفة قاسية. السيارة تتوقف أمام البوابة، تُفتح بسرعة، تدخل. داخل المصنع: رائحة كيماوية حادة تملأ الهواء، أضواء فلورسنت بيضاء قاسية تضيء خطوط الإنتاج. عمال يرتدون أقنعة واقية يحركون براميل وأكياس مسحوق أبيض. على طاولات معدنية طويلة، تُغش المادة – يُضاف إليها مواد رخيصة لتقليل التكلفة وزيادة الحجم: بودرة التلك، سكر مطحون، بعض المواد الكيميائية الرخيصة. الكمية المعدة اليوم: خمس وعشرون كيلوغراماً نقية ظاهرياً، لكنها مخففة بما يكفي لتكون قاتلة ببطء. أكريغور يدور بين الطاولات، يتفقد العمل بصمت. يقترب من المشرف – رجل نحيف بعيون متوترة – يسأله بهدوء: «كم الكمية النهائية؟» «خمس وعشرون كيلو، سيدي. كل كيلو سيُباع بثلاثين بالمئة أقل من السعر المعتاد.» أكريغور يومئ. «قسموها. كل موزع يأخذ خمسة كيلوغرامات. غداً في الصباح الباكر، يبدأ التوزيع في الأحياء الفقيرة: كابوتشنو، بيرسوفو، الضواحي الجنوبية. لا تأخروا.» الجميع يرد بصوت واحد خافت: «نعم، سيدي.» لا أحد ينظر في عينيه مباشرة. أكريغور يلتفت، يخرج من المصنع بخطوات ثابتة. الحراس يتبعونه. يركب السيارة السوداء مرة أخرى، تنطلق في الظلام، تاركة خلفها المصنع والعمال والمخدرات التي ستصبح غداً لعنة جديدة في شوارع موسكو. الثلج يستمر في التساقط، يغطي آثار الإطارات بسرعة، كأن شيئاً لم يكن.