خلف جدران موسكو - الفصل 2 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف جدران موسكو
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

الصباح التالي يأتي بارداً كالمعتاد، لكن الضوء الشاحب الذي يتسلل من النافذة المكسورة يبدو أكثر قسوة. ماركوس يقف أمام المرآة المتصدعة في الحمام الصغير، يربط وشاحاً رمادياً حول عنقه. عيناه محمرتان قليلاً من قلة النوم، لكنه لا يشتكي. ينظر إلى غرفة أخيه المواربة؛ دور لا يزال نائماً - أو هكذا يظن - تحت البطانية الثقيلة. يخرج ماركوس بهدوء، يغلق الباب الخارجي خلفه دون صوت. السيارة القديمة تنطلق في الشارع المتجمد، تاركة خلفها دخاناً أبيض يذوب سريعاً في الهواء. داخل الشقة، الصمت يسيطر. بعد ساعة تقريباً، يرن جرس الباب - نغمة معدنية حادة تقطع الهدوء. دور يرفع رأسه ببطء من الوسادة. جسده يؤلمه، لكنه اعتاد الألم. يجر قدميه على الأرضية الباردة، يرتدي قميصاً متسخاً ويفتح الباب ببطء. أمامه يقف رجل نحيف بعينين صغيرتين متيقظتين، يرتدي جاكيت جلدياً قصيراً ويحمل حقيبة رياضية سوداء. إنه "سيرجي" - أحد الموزعين الذين يعرفهم دور منذ أشهر. «صباح الخير يا دور. عندي اليوم شيء خاص لك.» دور يميل على إطار الباب، يحاول أن يبدو طبيعياً. «نوع جديد؟» «فاخر أكثر. نقي جداً هالمرة... وأهم شيء: السعر منخفض. ثلاثين بالمئة أقل من المعتاد.» عينا دور تتسعان قليلاً. الجوع الكيميائي يستيقظ فجأة داخل صدره. «كم الكمية اللي معك؟» سيرجي يفتح الحقيبة قليلاً، يكشف عن خمسة أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق، كل واحدة تحمل خمسة كيلوغرامات تقريباً. دور يبتلع ريقه. «أخذ الكل.» يذهب إلى داخل الشقة بسرعة، يعود بكيس قماشي صغير مليء بأوراق نقدية مكرمشة - كل ما تبقى له من مدخرات الأشهر الماضية. يتبادلان الأشياء بصمت. سيرجي يأخذ المال، يعدّه بسرعة، يومئ برأسه ويغادر دون كلمة إضافية. الباب يُغلق. دور يحمل الأكياس إلى غرفته كأنه يحمل كنزاً. يضعها على الطاولة الخشبية الملطخة، يفتح واحداً منها بحذر. المسحوق أبيض ناعم جداً، أقرب إلى الدقيق من أي شيء رآه سابقاً. يمد خطاً رفيعاً على ظهر كتاب قديم، يلف ورقة صغيرة، يميل ويستنشق بعمق. في الثانية الأولى: حرقة حادة في الأنف، كأن أحداً أشعل عود ثقاب داخل تجويف أنفه. يرفع رأسه، يمسح أنفه بكم قميصه. اعتاد الحرقة، يتجاهلها. يجلس على حافة السرير، ينتظر. تمر عشر دقائق. ثم خمس أخرى. فجأة يبدأ الرأس يدور. ليس الدوار المعتاد الدافئ الذي يبحث عنه، بل دوار ثقيل، كأن الأرض تميل تحت قدميه. ألم حاد ينفجر في الصدغين، ينتشر كالكهرباء إلى مؤخرة الرقبة. يحاول الوقوف، لكنه يسقط على السرير. يستلقي على ظهره، يضغط على رأسه بكلتا يديه. عيناه تتحولان إلى اللون الأحمر الداكن، الأوعية الدموية تنفجر تحت الملتحمة. شفتاه تجفان وتتشققان في ثوانٍ. جسده يبدأ يرتجف، ثم يتصلب فجأة - عضلات الصدر والرقبة والفك تتقلص بقوة لا إرادية. نفسه ينقطع. الصمت يعود إلى الشقة، أعمق من أي وقت مضى. * * * بعد ست ساعات. اللادا القديمة تتوقف أمام البناية. ماركوس ينزل، يحمل كيساً صغيراً به بعض المؤن. يصعد الدرج بخطوات متعبة. عند الباب، يتوقف. رائحة غريبة تتسرب من تحت الباب - مزيج من الكيماويات الحادة والحلو المقرف والموت. يفتح الباب بسرعة. الرائحة تصبح أقوى، تخنقه. «دور؟» لا جواب. يهرول إلى الغرفة الداخلية. دور على السرير، جسده متيبس في وضعية غريبة، ذراعاه ممدودتان، عيناه مفتوحتان نصف فتحة، محمرتان تماماً. فمه مفتوح، شفتاه متشققتان وجافة كالورق. ماركوس يقترب، يهزه بعنف. «دور! دور!» لا حركة. يضع أصابعه على الرقبة - لا نبض. ينظر إلى الطاولة: خمسة أكياس كبيرة من المسحوق الأبيض، واحد منها مفتوح. يصرخ صرخة مكتومة، يضرب قبضته على الحائط بقوة حتى تنزف مفاصل أصابعه. يفتش في جيوب دور، في الأدراج - يجد بعض الأوراق النقدية المتبقية. قليلة جداً. لا تكفي حتى لدفن لائق. يسقط على الأرض بجانب السرير، يضم ركبتيه إلى صدره، ويبكي بصمت في البداية، ثم بشهقات عميقة مؤلمة. * * * المقبرة في أطراف المدينة. الثلج يتساقط بخفة، يغطي الصلبان الرخيصة والأسماء المنقوشة بسرعة. قبر جديد، تراب طازج، لوح خشبي بسيط مكتوب عليه اسم "دور" فقط. ماركوس يقف أمامه، معطفه مبلل بالثلج، شعره الأسود يلتصق بجبينه. عيناه حمراء، لكنه لا يبكي الآن. يحدق في التراب كأنه ينتظر أن يتحدث. بعد دقائق طويلة، يلتفت ويمشي بعيداً بخطوات ثقيلة. * * * يعود إلى الشقة. يبدأ بتنظيف الغرفة بصمت آلي: يرفع الملاءات المتسخة، يمسح الأرضية، يرمي الزجاجات الفارغة. لكنه يترك الأكياس الخمسة على الطاولة كما هي. عندما ينتهي، يجلس على حافة السرير، يمسك واحداً من الأكياس. يضغط عليه بأصابعه. الملمس ناعم جداً، دقيقي، غير مألوف. طوال السنوات الماضية، كان يرى المسحوق الخشن، المتكتل أحياناً، الذي يترك أثراً دهنياً على الأصابع. هذا مختلف تماماً. يتذكر تقرير الطبيب في المشرحة قبل يومين: «توقف قلبي حاد... مادة سامة غير معروفة بدقة... غش كبير جداً...» ينظر إلى الكيس بتركيز جديد. الحزن لا يزال يخنقه، لكن شيئاً آخر يبدأ يتحرك تحته: برودة حادة، صامتة. يذهب إلى غرفة المعيشة، يجلس على الأريكة المهترئة. يأخذ ورقة وقلماً من درج الطاولة. يبدأ يكتب - أسماء سمعها من دور في لحظات الثمالة، أماكن ذكرها، ألقاب موزعين، تفاصيل صغيرة كان يرميها دور دون أن يدري أن أخاه يحفظها. القلم يتحرك ببطء، لكن بحزم. الثلج يستمر في التساقط خارج النافذة. والغضب الصامت يبدأ يتشكل داخل ماركوس، كما يتشكل النصل في النار. ***************////**/*///////////// الليل يغلف الشقة بظلام كثيف، يقطعه فقط ضوء شاشة الهاتف القديم الذي يضيء وجه ماركوس من الأسفل، يلقي ظلالاً حادة تحت عينيه الغائرتين. الورقة أمامه مكتوب عليها ثلاثة أسماء أماكن، بخط يده السريع المتوتر: - المستودع القديم خلف محطة القطار الجنوبية - بار "الذئب الأسود" في شارع لينينغرادسكي - الساحة الخلفية لمبنى المصنع المهجور في بيرسوفو كلمات دور تتردد في رأسه كتسجيلات قديمة: "هناك يجتمعون أحياناً... سيرجي يقول إنهم يأتون بعد منتصف الليل... لا تذهب يا أخي، هم أقوى مما تظن." ماركوس يطوي الورقة بعناية، يضعها في جيب معطفه الداخلي، يرتدي قبعة صوفية سوداء تغطي نصف وجهه، ويخرج. الثلج توقف عن التساقط، لكن البرد يعض الجلد كأسنان حديدية. الشوارع فارغة تقريباً، إلا من بعض السيارات المتوقفة والأضواء الخافتة للمصابيح. **المكان الأول - خلف محطة القطار الجنوبية** مستودع مهجور، أبوابه مغلقة بسلاسل صدئة. ماركوس يقترب بحذر، يتسلل بين الظلال، ينظر من خلال شق في الجدار المكسور. الداخل مظلم، رائحة الزيت والصدأ فقط. لا أحد. ينتظر عشر دقائق، ثم يتراجع. **المكان الثاني - بار "الذئب الأسود"** البار صغير، نوافذه مغطاة بستائر سوداء سميكة. ماركوس يدخل من الباب الخلفي، يقف في الزقاق المجاور. من خلال فتحة صغيرة في الستارة يرى الداخل: طاولات فارغة، نادل يمسح الكأس بلا حماس، اثنان أو ثلاثة زبائن يشربون بصمت. لا وجوه مألوفة، لا حركة مشبوهة. يغادر بعد ربع ساعة. **المكان الثالث - الساحة الخلفية لمصنع بيرسوفو** هنا الجو مختلف. الريح تحمل رائحة دخان سيجار رخيص ومعدن بارد. ماركوس يختبئ خلف حاوية صدئة، يراقب. بعد دقائق، يظهر رجل - نفس الرجل النحيف الذي رآه عند باب الشقة صباحاً، سيرجي. يحمل حقيبة، ينظر حوله بحذر. ثم يتقدم نحوه رجل طويل المعطف الأسود الطويل، ملامحه قاسية، لا يرمش. أكريغور. ماركوس يتجمد. يرى الحراس: أربعة، خمسة، ربما أكثر، منتشرين في الظلال، يداهم على أسلحتهم تحت الجاكيتات. سيارة سوداء متوقفة على بعد أمتار، محركها يعمل بهدوء. سيرجي يسلم الحقيبة لأكريغور، يتبادلان كلمتين قصيرتين لا يسمعهما ماركوس. أكريغور يفتح الحقيبة قليلاً، ينظر إلى الداخل، يومئ برأسه. ثم يعطي سيرجي ظرفاً سميكاً. ماركوس يشعر بقلبه يدق بقوة في أذنيه. يريد التقدم، يريد أن يصرخ، يريد أن يقتل. لكنه يرى العدد، يرى البرود في عيون أكريغور، يرى الأسلحة. يتراجع خطوة، ثم أخرى، حتى يختفي في الظلام. يركض عائداً إلى سيارته، يقود بسرعة إلى المنزل، أنفاسه متقطعة. عندما يدخل الشقة، يغلق الباب خلفه بقوة، يسند ظهره عليه، ينزلق إلى الأرض. الآن يعرف. ليس مجرد تاجر صغير. ليس مجرد موزع. المافيا. الإمبراطورية التي تسيطر على المدينة من تحت الجدران. الذين يصنعون السم، يبيعونه رخيصاً، يقتلون بالجملة دون أن يتركوا أثراً. وحده لا يستطيع شيئاً. يذهب إلى الطاولة، يفتح اللابتوب القديم الذي كان يستخدمه دور أحياناً. يبدأ يتصفح - فيسبوك، تويتر (الآن X)، مجموعات مغلقة، منتديات مظلمة، تلجرام. أصابعه ترتجف على لوحة المفاتيح. كلمات مفتاحية: "موسكو مافيا"، "انتقام"، "مقاومة"، "ضد الإمبراطورية". ثم يجدها. مجموعة تلجرام: "المضحيين" عدد الأعضاء: 187 وصف المجموعة: "نحن من فقدوا كل شيء. لن نفقد الكرامة أيضاً." يدخل، يقرأ. منشورات عن هجمات صغيرة، تسريبات معلومات، أسماء موزعين، صور لمخدرات مغشوشة، قصص أشخاص فقدوا أبناءهم، إخوتهم، آباءهم. "نحن لا نطلب العفو. نحن نطلب النهاية." ماركوس يبتلع ريقه، يضغط على زر "إرسال رسالة خاصة" إلى الإدارة. الرسالة بسيطة: "أريد الانضمام. أخي مات بسبب بضاعتهم الجديدة. أريد أن أنهيهم." يضغط إرسال. ينتظر. ساعة تمر. ساعتان. الهاتف يهتز فجأة. رسالة من مستخدم "تانو": "مرحباً. لماذا تريد الانضمام؟" ماركوس يكتب بسرعة: "لأنتقم لأخي." الرد يأتي بعد ثوانٍ: "كلنا هنا لنفس السبب. لست وحدك. لكننا لا نقبل أي شخص. علينا أن نختبرك أولاً." ماركوس يرفع رأسه، عيناه تلمعان لأول مرة منذ أيام. ليس بدموع الحزن هذه المرة، بل بشيء آخر: أمل حاد، بارد، كشفرة جديدة. "أنا موافق. أخبرني ماذا أفعل." تانو يرد: "غداً الساعة 3 فجراً. اذهب إلى المقبرة القديمة في كابوتشنو. قبر رقم 47. اجلس هناك وانتظر. لا تأتِ مسلحاً. لا تخبر أحداً. إذا جئت، سنعرف أنك جاد." ماركوس يغلق الهاتف، ينظر إلى الورقة المطوية في جيبه، ثم إلى الأكياس البيضاء التي لا تزال على الطاولة. يهمس لنفسه، صوته منخفض لكنه حاسم: "سأنهيهم. لك يا دور." الثلج يبدأ يتساقط من جديد خارج النافذة، يغطي المدينة بطبقة جديدة من الصمت. (