يوم المواجهة
فتح الباب..
لكن لم يكن أنا هذه المرة من يفتح الباب. منذ البارحة وأنا جالس في الغرفة كمن يهوى الفرار من الواقع. قلبي ينبض بسرعة، وقدماي ثقيلتان كالحجر. ذلك الخبر كان كافياً ليشل حركتي؛ كل محاولة للتحرك تتبدد قبل أن تبدأ.
فتحت زوجتي الباب . عيناها النائمتان لم تلتقطا بعد أي ضوء للخطر القادم، أما أنا فكنت أحبس أنفاسي، عاجزًا عن مواجهة ما قد يحدث، خائفًا من كل ما وراء الباب.
رأت زوجتي الفتاة واقفة هناك، كلوحة غريبة تلمع ألوانها بين الظلال. ملابسها المثيرة مزينة بألوان لم نعتد رؤيتها، وابتسامة انتصار غير مفهومة ترتسم على شفتيها. أما زوجتي، فارتدت زيفًا ملتويًا بإحكام، مع زي فضفاض يسمح لها بالحركة بسهولة، لكنها لم تتحرك بعد.
بدأت الفتاة الكلام بلا استئذان، كالثعلب المتربص بفريسته. زوجتي ظلت مذهولة، أذناها عاجزتان عن التقاط اسمي من الكلمات المتساقطة، لم تتخيل للحظة أن هذا اليوم سيقلب حياتنا رأسًا على عقب.
— من أنت؟ — سألتها زوجتي، صوتها منخفض لكنه حازم، يحاول السيطرة على الرهبة التي تخيم.
— أريد أبا رشيد، — أجابت الفتاة بثقة، لم تتأثر بالخوف الذي كان ينبغي أن يملأ المكان.
— رشيد؟ لقد توفي؟
— لا… أبا رشيد… — كررت الفتاة، ونبرة صوتها تحمل تهديدًا خفيًا، توقظ الرعب في قلبي.
لأول مرة في حياتي أشعر بخوف حقيقي، خوف يلتف حول قلبي كيد الأفعى، يربطني بالأرض.
مرت دقائق… أو ربما ساعات.
لم تأتِ إليّ. بقيت متلبدة في الغرفة المجاورة، وبقيت أنا حبيس الكرسي، أنتظر قرار المحكمة. لم أتذوق حزنها، ولم أشمت بكسرتها، ولم أفرح بغيرتها. كل ما شعرت به كان اشمئزازًا صامتًا من نفسي.
ثم رأيت ظلها يقترب. مع تسارع نبضات قلبي، توقفت فجأة قرب الباب. بدأت ترمي كلمات متلعثمة، متفاوتة، كنهر غاضب فاض بالماء فلم يعد يعرف كيف يتوقف.
كانت تتحدث عن تضحياتها، عن كيف جمعت نقودنا فلسًا فلسًا، عن البيت ذي الطوابق الثلاثة الذي شُيّد بعد أن تجمدت سيقاننا سنوات في الكوخ القديم.
كان صوتها يعلو… كأنها تنتظر جوابًا.
لكن الكلمات تجمدت داخلي و بقيت جالسا فوق كرسي اعتراف أو إعدام، لا فرق. لم أعد أملك التبرير.
كنت أتمنى فقط لو أنها حدثتني عن حبها الذي تبعثر في ظل تلك التضحيات.
ذلك الحب الذي دفعني يومًا إلى اختيار حانة باردة. أهرب إليها من برودها نحوي لأقنع نفسي أن الصمت هناك أرحم من صمت البيت. اخترت الضجيج لأنسى الفراغ، واخترت امرأة لا تعرف اسمي كي لا تذكرني بما كنت.
كان عليّ أن أتأكد من أمرٍ واحد: إن كان الطفل الذي قد تحمله فتاة الحانة منّي. لم يكن ذلك لأني أردت محو ذنبي، بل لأني لم أعد أحتمل أن أكون ظالمًا في حياة امرأة أخرى. كنت بحاجة أن أعرف الحقيقة، حتى لا يلتهم الظلُ حياة بريئة بذنبي. هذه المرة، كان عليّ أن أكون مسؤولًا، ولو بعد فوات الأوان.
نظرت إلى الباب فرأيت ظل الأولاد. كان أحدهم، الأكبر سنًا، يراقبني بصمتٍ يجلّي كل ما لم تستطع الكلمات نقله. عيناه الممتلئتان بالدهشة والاشمئزاز، والحزن، والحنق معًا، كانت كمرآة تعكس كل إخفاقاتي. شعرتُ بثقل تلك النظرة يسقط على صدري، يضغط قلبي كما لو كان يريد انتزاعه من داخلي.
في تلك اللحظة تيقنت أنني فقدت روح الأب في دارنا، وليس الزوج فقط. شعور بالغياب، بالوحدة، وبالافتقاد لكل ما كنت أحبه اجتاحني فجأة، وكأنني أعيش في صحراء قاحلة من القلب. تيقنت أنني خسرت ما تبقى من حبها للأبد، وحتى الحب الباقي بيني وبين أبنائي أصبح مهددًا بالانكسار.
بقيت وحدي، محاصرًا داخل ذاتي، أمام نظرة واحدة لم أعد أستطيع مواجهتها أو محو أثرها، نظرة تقول لي بكل وضوح: لقد خسرت كل شيء.