الروح الميتة - الجرف - بقلم رحاب | روايتك

اسم الرواية: الروح الميتة
المؤلف / الكاتب: رحاب
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الجرف

الجرف

كان بصر لوين مشـوشا للـغاية عنـدما قام بحركة خاطئة غير محسوبة في يده التي أصابته لونا فيها بالرصاصة الأخيرة ..إستغرق أكثر من دقيقتين على هذه الحال ، قبلما يعود بصره إلى طبيعته عندما خف الألم الحاد ، ويجد نفسه في طريق جبلي مظلم ... التنفس فيه صعب للغاية ، وشديد البرودة لدرجة الصقيع ، في حين اختفت أي دلالة على وجود النهار وحل موضعها الضباب الأسود ، رفع رأسه ليترقبه بعينيه عندما سمع صوت لونا المتدمرة تقول : « لوين ... أشعر بالبرد .. البرد » قال بإنزعاج :« هدئي من روعك ... واصبري ، سنشق هذا الطريق الجبلي ..» « لــكن يا لوين.. الظلام ... مخيف » شعر بالضيق وبالرغبة ملحة في تركها ومضي للأمام ، فهي لم تعد تعمل لمصلحته بعد الآن لورينزو ليس والدها الحقيقي ... ثم إنه يسعى لقتلها لكنه أجابها قائلا : « يبدو أن الشمس في مغربها » « تبا لهذا الضباب ...» فجأة تفقد المكان من حوله ليقول بحزم: « لونا ... أخشى أننا قد ضعنا ، ما علي فعله الآن هو أن أتأكد هل نحن في المنطقة الشرقية أم لا . إن كان الجواب نعم فهناك أمل بالعودة إلى منظمتي وإن كان لا ، فنحن في ورطة » كما توقع، سمعت صرخاتها الخائفة وهي تتمتم بنهايتها :« سنموت بردًا بلا شك ...لنكمل الطريق لموتنا » أومأ برأسه إيجابًا ثم أكمل الطريق أمامها ، يبطئ من حركته جراحه حتى أن لونا سبقته بعشرة أمتار على الأقل ، حتى إستدارت وصاحت فيه كي ينتظرها إلى أن تقضي حاجتها ... وانعرجت في ممر جبلي جانبي باحثةً عن مكان متوارٍ ثم إنتهت فٱنتبهت إلى شيء يلمع بين الرمال ، إلتقطته ، فوجدته عملة نحاسية ، ثم بحتث في الرمال على بعد أمتار أخرى ، كانت هناك عملة أخرى ، ثم تحركت باحثة عن أي عملات أخرى عابرة وديان صغيرة وممرات متعشبة دون أن تدري ، حتى توقفت عندما رأت أمامها بناءا خشبيا قديم ، إقتربت منه ودارت حوله ثم ...، بعدها إنتظرها لوين وقد تأخرت طويلًا ثم لمحها عائدة ركضًا إليه ، وقبل أن ينطق متذمرًا من تأخرها أشارت نحو تلك الجهة قائلة : « لوين .. عثرت على بيتٍ خشبي ، به أضواء ، الحياة تعج فيه » عقد حواجبه ثم لحق بها ناحية البيت ثم توقف عند أحد الأشجار وهو يراقبه بدقة بالغة عندما أربكته لونا قائلة بسعادة : « لوين .. لما لا نذهب إليهم ... ويعالجونا ثم يقومون بإدلالنا للمنطقة الشرقية » حدق بملامحها طويلا وشعر بضرورة الموافقة على إقتراحها ، فهو بحاجة ماسة إلى العلاج ثم أومأ إجابًا لتسبقه ركضًا نحو البيت وتطرقه كان يهلوس من داخله وهو يفترض جميع الإحتمالات ... من أن يكون مقلبًا أو فخًا من منظمة چلوستر ، لكن سرعان ما نُفيت كل إحتمالاته عندما فتحت إمرأة عجوز الباب . إبتسمت لونا ثم قالت لها عندما أطالت العجوز النظر نحو هيئتهما الدموية : « نعتذر عن الإزعاج يا سيدة ولكن كما ترين ... إنه الغروب ونحن تائهين .. وتحتاج العلاج و هل يمــ ...» قاطعتها العجوز بإبتسامة دافئة وهي تنحني جانبًا مشيرتًا نحو الداخل : « لابأس... لابأس... » إستدارت لونا نحو لوين بابتسامة ثم رفع أحد حواجبه وكأنه يقول لها ( تمالكي نفسك ... فأنا لا أنقلب كأحوال الطقس ) سبقته لدخول وتبعها وهو يتفقد أي ذرة قد تجعله يشك ثم تقدمت تلك العجوز وإستطردت قائلة : « أنتِ أيتها الآنسة ... أسلكِ ذلك السلم وستجدين غرفة واحدة . إفتحيها ... هناك حمام بها وأنت .. هاهو الحمام هنا » كادت ترد لونا لكنهما سمعآ صوت رجل ينادي بإسم « آريا » .. علم لوين حينها أنه إسم العجوز ثم لبت النداء وسلكتْ درجًا جانبي لتقول لونا ببعض السعادة : « إنها عجوز لطيفة » لم يكثرت لوين لما قالته لكنه أعطاها ظهره ليدخل الحمام قائلا :« ليس كل لطيف طيب ...» مد يده ليفتح الباب لكنه فوجأ بذلك الرجل يخاطبه قائلا :« إنتظر ... سأعالجك » لم يستطع الرفض ، ولم يصغي لكبريائه أبدا ، بل إكتفى بإيماءة خفيفة ثم إتجه مع لونا نحو المكان الذي أشار نحوه . أحضر ذلك الرجل حقيبة الإسعاف وبعض مستلزمات العلاج ثم تفقد جرح كتفه ليوقفه لوين قائلا :« إنتبه .. لقد أصبت برصاصة هناك » تجمد لثانية ثم حول نظراته نحو عينا لوين بنبرة مستفسرة : « الكوزا نوسترا .. صحيح .. إنهم ينتشرون بكثرة في هذه الغابات » عقد حواجبه ثم قال :« نـ...نعم » ثم سمعت لونا تقول وهي تحدق نحو خدوشها : « ليست الكوزا نوسترا... بل بعض المجرمين الأخارين .» شعر لوين بالضيق لأنها جعلت منه كاذبا لكنه أومأ وحسب ... *. *. * إنتهى من تضميد جراحهما بعدها قدموا لنا بعض الملابس ، ثم إتجهت لونا بسرعة لتسقط بجسدها فوق الفراش وهي تقول : « الرااحة » قالت تلك العجوز «آريا » :« لقد جهزت العشاء » قال لوين مقاطعًا بسرعة : « لا شكرا ... نحن سنذهب » نهضت لونا بسرعة وهي تقول بنفور:« لا يا سيدة آريا ، نحن سنبقى » أدار لوين وجهه ليرمقها لكنها قالت مثيرتا أعصابه : « سنتناول العشاء ... لن نذهب » ظهر الإنزعاج في وجهه ثم ٱبتسمت آريا قائلة : « لابأس ... إبق الليلة وحسب .. يبدو أن حبيبتك متعبة » قال مرددا كلامها :« حبيبتي ؟ » « سأحضر العشاء الآن » خرجت ثم أغلقت الباب ليلتفت صوب لونا التي كانت تبتسم ثم قال:« سأقتلك... » ضحكت وكأنها تستفزه ثم قالت:« ماذا فعلت ؟ » « أنت من أخبرها أنني حبيبك » « لا ... أقسم لك .. أنا لم أكذب ..بالإضافة لهذا فأنا لا أتمنى صداقتك أو حبك كي أدعي ..» إقترب منها بخطوات واثقة وضيق عيناه كي يخبرها بجدية الوضع ثم دفعها لتسقط فوق الفراش ... بدت مرتبكة لكنه قال بسرعة وهو يبتعد عن فراشها :« نامي ... فغدا سأوقظك قبل الفجر » فجأة وهو يتجه نحو مفتاح الإنارة ... شعر بوسادة أُصتدمت بظهره .. ليلتفت بسرعة نحوها ويجدها واقفة فوق السرير بابتسامة نصف غاضبة ونصف مستفزة لتقول : « لوين... نحن لم تتناول العشاء بعد. .. لن أنام » شعر بالغضب والتحدي يتسلل معه ... لكنه إلتقط الوسادة بكل هدوء ... واقترب بخطوات ثابتة وهو يرمقها . شَعرت لونا بالتهديد ثم جَلست فوق السرير وهي تحاول رسم الإبتسامة الصفراء.... « لوين لقد كنت أمزح ... » « مزاحك ثقيل » واصل خطواته حتى إلتصقت ركبتاه بحافة السرير ثم إنحنى صوبها بينما هي إبتعدت حتى إلتصق ظهرها بالفراش ... وحاصر بركبتاه أرجلها ... ثم وجه تلك الوسادة التي كانت بيده نحو وجهها وضغط بقوة حتى بدأت تنتفض وتحاول إبعاد يده ثم قال :« هذه هي اللعبة الوحيدة التي أجيدها بالوسادة » بدأت تضرب يده بقوة ... ثم توقفت مباشرة عندما سمعت طرقات تلك العجوز ليبعد الوسادة عن وجهها بدأت لونا تلهت وتضرب صدرها وقال لوين باستفزاز وهو يتوجه نحو الباب : « لهذه الدرجة » قالت بغضب : « تبا لك كدت تقتلني ...» فتح الباب ثم دعتهما « أريا » لتناول العشاء ... بعدها نزلآ للأسفل نحو صالة الطعام وهناك إتخدآ مقاعدًا عشوائية ... أمسك الشوكة ثم أكل أول قضمة ليقول ذلك الرجل الذي عالجهما : « ماذا حدث معكما ، هل يمكنكما المشاركة » في لمح البصر إتصلت نظرات لوين ولونا ... ثم رمقها بسرعة .. فهم بحاجة ماسة للكذب ثم أغمضت عيناها وقالت بهدوء : « أنا ولوين كنا نخيم...» حولت نظراتها نحوه بقلق ثم أكمل بدلها :« فقدنا أمتعتنا و.. ووجدنا أولائك المافيا ..» قالت لونا :« كنا تتوفر على بندقية نصتاد بها حيوانات ... هي من أنقدتنا .. تلك البندقية » « تلقينا ضربا ... لكننا أنقدنا أنفسنا في الأخير » قالت العجوز بأسف :« هذا مؤسف... » أكل لوين بصمت ورفض التعليق أو الحديث ثم قالت لونا بفضولها وهي تشير نحو أحد الحفريات :« من أين حصلت على تلك الأثرية يا خالة » « تلك حفرية وليست أثرية .. حصلت عليها قبل سنين سنة » قالت لونا بصدمة : « ستين ... ااا . تمزحين.. كم عمرك » إبتسم ذلك الرجل ثم قال : « عمر والدتي تسعين عاما » « أهي والدتك » « نعم » « إذا ... يبدو أن تلك الحفرية قد كلفتك الكثير لذلك تحتفضين بها ... » « لم أشترها ... بل ورثتها » « هكذا إذا ... كم عمرها » « لا أعلم » وجهت لونا نظراتها نحو لوين ثم سألته : « لوين ؟ . كيف يستطيعون تحديد عمر الحفرية » أكل قضمته وكأنه لم يسمع ما قالتهوثم إبتلعتها ونهض من الطاولة قائلا بضيق لأنه غير معتادٍ على قولها : « شكرًا لكم... لقد شبعت » إتجه نحو الغرفة ثم إستلقى فوق السرير الذي خصص له .ولم تمر حتى دقيقتين ليسمع لونا قادمة ثم قالت بتدمر : « أنت ... لم تشرح لي » « لن أفعل. .. فالشرح طويل » إستلقت فوق سريرها ثم قالت :« لا عليك فأنا أريد أن أعرف ... وبالإضافة لهذا فأنت مدينة لي » عقد حواجبه ثم بدأت الشرح لها :« قلت سابقا ... كيف يستطيعون تحديد عمر الحفرية . هناك فرق بين كم عاشت؟ ومتى ماتت ؟ كم عاشت يعرفونها من خصائص معينة في أنسجة العظام ، فمثلا يكشف أنا تتابع الحلقات في المقاطع المستعرضة التي يحصلون عليها من عظام الحفريات عدد السنوات التي عاشتها تلك الحيوانات ، أما متى كانت فهناك طرق عديدة أشهرها النظائر المشعة مثل يورانيوم 235 التي تحدد حمايتها في أنسجة الحفرية عبر أحد الأجهزة » أومأت لهوموحيتًا أنها قد فهمت ما شرحه ، فلم يكثر الشرح بعدها بالمزيد من المعلومات المرهقة خاصةً بعدما تثاءبت أكثر من مرة فثتاءب هو الأخر .. ثم حسم الأمر قائلا : « إنتهى الدين » ثم رقد على ظهره يتأمل البدر الساطع من النافذة ، ويفكر فيما قد يحدث مع طلوع شمس اليوم الجديد ، وفعلت لونا الأمر نفسه ، لينال منه النعاس سريعًا بعد إرهاق النهار وعدم نوم الليلة الماضية ، لم يوقظه بعد ساعات إلا تمتمات وكلمات لونا المشوشة التي طيرت النوم من عينيه . ثم إبتعد عنها ليجلس بجانب النافدة التي تطل على الغابة المظلمة وهناك تأمل المنظر ليلتفت صوب لونا وهو يسمع تمتماتها . « لا..بأس ...بخير... لا أحب إرهاق أحد..ما تسببت فيه أنا.. يجب أن أواجهه بمفردي ...» سئم من سماعها ثم إتجه نحوها بعدها حرك جسدها ليوقظها قائلا:« هيا إنهضي ... سنكمل السير! » نهضت لونا بسرعة وبدون وعي صفعت يده وقالت : « إلى أين ... لازال الليل طويلًا » حدق لوين لفترة نحو يديه ثم شد فكها في محاولة تهدئة أعصابه ليجيبها : « إنه الفجر ... » قالت بنبرة باكية وميلودرامية : « أرجوك .. لا أستطيع الإبتعاد عن دفئ البطانية .. البرد قارص في الخارج » سحب لوين البطانية عن جسدها ثم أخرجت أنينا متذمرا قبل أن تحدق بوجهه قائلة : « أتركني هنا وٱمضي وحدك » « لن أفعل فقد فكرت مجددا في الخطة وفي كونك ببدقا ممتازًا لخطتي » « ألا تكف عن التخطيط » وقف لوين ثم إتجه نحو الباب ليفتحه لتتبعه لونا التي نادت الجدة آريا ثم قدمت لهمآ الفطور : « شكرًا لكِ » قالتها لونا بٱمتنان وهي تتناول وجبة الإفطار لتذهب آريا لإحضار ملابسهما قائلة : « لقد قمت بتنظيف وتجفيفه ملابسكما » تناولتهم لونا من يديها ثم ٱبتسمت قائلة : « أنا ممتنة » *. *. *. * إرتدآ ملابسهما ثم إتجهآ للخروج وعند عتبة الباب ودعتهمآ اريا ودلتهمآ على المنطقة الشرقية ... أي صوب الطريق المؤدية لصقلية ثم أومأت لها لونا التي تمشي بجانب لوين الذي قال لها بعد أن إبتعدآ عن ذلك البيت : « سنكمل الطريق الآن » تأملته لونا قليلًا ثم قالت :« ألا تؤلمك جراحك » « بلى لكنني أتحلى بالصبر وتحقيق هدفي السامي » قالت لونا باستهزاء : « ماهو هدفك السامي ذاك ؟ » « ليس من شأنك والآن أصمتي قبل أن أقتلك » توقفت لونا ثم قالت بضجر : « لقد مللت يا هذا .. مللت ! . أريد العودة لحياتي السابقة .. إطمئنان ، دراسة ولهو أحيانا .. متاجر الفساتين .. صراع مع فتيات المدرسة ..سهر ونوم لأوقات متأخرة .. لا خوف لا عذاب .. راحة وحسب .» تنهدت ثم تابعت بغضب : « أما أنت ... فٱذهب لصقليتك لا أريد اللحاق بك .. أريد البقاء وحدي للبحث عن حياة جديييييدة » قبل أن يبدي لوين أي ردة فعل ركضت لونا مبتدعة بأعلى ما تملك من سرعة ثم زفر لوين بغضب ليتبعها بأعصاب مشدودة وهو يردد في نفسه « خطتي ستفشل إن هربت هذه الحمقاء. .. لن أسمح لها بالإبتعاد أكثر ... فهي تحمل معلومات عني وقد تفشيها لأحد من منظمة جلوستر إن أمسكوا بها .. وذلك لا يعمل لمصلحتي أبدا بل يخالفها .... » ركضت لونا بسرعة لم تجربتها في حياتها بينما لوين الذي خلفها يلاحقها بوتيرة أبطأ قليلًا بسبب إصاباته ، إلتفتت لونا أثناء جريها لتراه ثم إبتسمت بسعادة : « إنه النصررررررر » وعندما أعادت نظراتها لطريقها . رأت ما يهز قلبها رعبا ... جرف يفصلها به بضع أمتار . صرخت ثم حاولت التوقف ... لكن كيف ؟ . المسافة ضيقة لن تقدر على التوقف . بل ستغدرها سرعتها لتهوي أسفل الجرف لكن سرعان ما شعرت بالإختناق جراء سحب لوين لطوق فستانها من خلف ثم صر على أسنانه وهو يسحبها . هدأت كل حركات لونا عندما فقدت وعيها جراء هول ما رأته ، ثم حاول لوين سحبها قبل أن يقعآ في الجرف ... لكن الجدع الذي تمسك به لوين بقدمه قد خانه عندما تدحرج نحو الهاوية . هناك إندفع جسد لونا نحو الأسفل ليتدلى ممسكًا بآخر قيد وهو يد لوين التي كانت تمسك طوق الفستان لدرجة جعلتها تحمر وتتورد. إنكمش وجه لوين وهو يحاول سحب لونا بيد واحدة ثم نظر نحو أسفل الجرف حيث تتواجد بركة ضخمة جدا تقود للبحر التابعة لشلال في الجهة الأخرى. ثم إلتقط أنفاسه وقرر فعل شيء عندما تذكر والدته. إلتقط لوين أنفاسه ثم رمق بحزم وقوة عندما أفلتت يداه لونا بعد قرار إتخده قائلا بصوت عال وكأنه يُسمع الكون بأكمله : « أنا لا أفشل أبدا » في تلك اللحظة بالضبط تبعها لوين الذي دفع حافة الجرف بقدميه ليندفع قافزًا من الجرف أيضا بسرعة أكبر كي يلحق بلونا أثناء السقوط . وقبل أن يتسنى له الإمساك بها وصلآ للماء وبمجرد أن لمست برودة الماء جسد لونا افتتحت عيناها على المنظر الدي لطالما كانت تخشاه ... الغرق... الظلام... الهاوية... والماء... حاولت أن تصرخ وسط الماء لكنها إختنقت وزاغت عيناها لكنها سرعان ما شعرت بأياد تلتف حول خصرها .. بل تحضنها بكل قوة . في تلك اللحظة ما حاول لوين فعله هو النجاة ونجاح. وهذا ما فعله بكونه ماهر بعض الشيء في السباحة . سحب لونا بكل ما يملك من قوة ثم تجاهل شعور التعب والجراح التي تؤلمه ليسبح بكل بشدة نحو السطح ثم دفع بجسد لونا أولا كي يخرج رأسها وتستنشق هواءًا . ثم تبعها لوين الذي صعد بنفسه نحو السطح ليدخل الهواء عبر رئتيه من خلال شهيق طويل وفي تلك اللحظة لفت لونا دراعيها حول عنقها كي تستطيع أن تطوف ثم نظرت نحو عيناه مباشرة بحزن وقالت : « أنقدتني ... » نظر نحو عيناها الخضراوتين اللتان كادتا أن تفقد بريق الحياة ثم قال متجاهلًا لضربات قلبه المتسارعة : « لم أنقدك شفقة ... بل مصلحة » دفعها نحو أحد الصخور التي ترتص على جوانب الجرف ثم رفعها فوق أحدها وهناك إتخد مكانًا له أيضا بجانبها ثم طأطأت لونا رأسها لمدة طويلة وقال لوين بصوت منخفض: « تدمري! » نظرت نحوه بحزن وقالت : « ماذا تقصد ؟ » « ستتذمرين كعادتك ... مع أنك المتسببة بوجودنا في هذا المكان مجددا » طأطأت رأسها مجددا ثم قالت بصوت هادئ : « أعلم لذلك أنا مستاءة » تابعت وهي تفرك يديها : « وأود الإعتدار بشدة » إبتسم لوين ثم حرك أسنانه بغيظ ليقول رغما عنه : « تذكرينني بوالدتي يا فتاة » إلتفتت حوله ثم إرتسمت علامات الفضول في وجه لونا : « ألم تقل أنها قد إنتحرت » « بلى .. إنتحرت ولكنني لازلت أذكرها » إبتسمت لونا بدفئ : « أخبرني عنها » نظر لوين نحو عيناها مطولاً محاولا قراءة تعابيرها ... نعم هو يعرف تلك التعابير إلى ما ترمز .. لكن الغريب بالنسبة إليه هو أنه لم يرى في حياته بأكملها أحدًا ينظر نحوه بتلك الطريقة غير والدته. وهذا ما أربكه صرخ في نفسه قائلًا : « إنها نظرات الإهتمام ... والإهتمام ينتج عن شخص له علاقة قوية بنا ... وتلك العلاقة تبدأ بالإعجاب أو الإهتمام ثم تنتهي أربطة مع الوقت لتشكل الحب ... وهذا ما أخشاه ... لن أسمح لها بأن تحبنــي » أبعد نظراته عن عيناها ثم قال بنبرة مقصودة: « ليست مهمة » « هيا .. أريد أن أعرف عنك » نهض لوين دون أن يتكلم ثم قال: « أنت تتعلقين بسرعة » نهضت لونا بجواره ثم قالت بنبرتها البريئة : « ماذا تقصد » « لونا ! ماذا تعرفين عن دانتي » إنقبض قلب لونا عندما ذكر دانتي ثم قالت بحزن : « أعلم أنه كان من المافيا في الماضي وماتت زوجته ... فقط » « لماذا وقعت في حبه ؟ » « لأنني صدقته ...كنت خائفة وصدقته » إلتفت حولها ثم قال بحزم : « كنت خائفة وصدقته... أنت بريئة يا لونا لدرجة جعلتك خرقاء ... لماذا صدقتيه » عقدت لونا حاجبيها ثم أكملت بنبرة نسجها قلبها : « حدسي ... أخبرني أنه صادق ... شعرت بهالة صدقه .. » إقترب منها ثم رفع أحد حواجبه قائلا : « حدسك هاه.. ممتاز فأنا لا أكذب حدسك ذاك ... بل أتحدث عن الغدر » تنفس صعداء ثم أكمل وهو يتأمل الشلال : « هو يتفوه بالصدق في البداية ... لكن ما بعد الصدق .. قد يخونك ... يستغلك .. » « فهمتك ... لا أنكر وجود ذلك لكنك تفسد كل شيء بمنطقك الفلسفي الفارغ » « ما أنوي قصده يا لونا هو أن لا تتبعي حدسك ذاك وتقعي في حبي فسأكون أول من يمسك بك » تأملت لونا هيئته ​