سجين في بيتي - سُمِّيتُ أبًا - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: سُمِّيتُ أبًا

سُمِّيتُ أبًا

ترنّ ترنّ… رنين الجرس يبلغني أن الصباح قد حلّ، فما بالُ الليل ينسدل بقوة على الجدران؟ اهتزّت أذناي مع تكرار الجرس، وأخذتُ أمسح عينيّ لأسترق النظر إلى الساعة. الخامسة فجرًا. هل هناك خبر مفجع يطرق الباب؟ هرعتُ من مكاني، واتجهت نحو النافذة المذبلة من الأطراف، علّي ألتقط صورة زائرنا المفاجئ. ها هو ذا صاحب الحانة المشهورة، يلتفت يمنة ويسارًا، ويدور حول نفسه في حالة ذعر. — من يدقّ الجرس؟ — لا تقلقي، حبيبتي، يبدو أنهم عمّال النظافة… أكملي نومك. تسارعت خطواتي نحو الباب. ما باله اليوم يبدو أبعد من المعتاد؟ ارتابني القلق، فما من خير يأتي من حانة لم ترأف بناتها، ولم تُعر لأجسادهن احترامًا. حانة رأت فيهن نساءً بلا روح، ينحنين طلبًا للمال، ويقفن… فوق عرش النذالة. تحسّست أصابعي مفتاح الباب، لكنها لم تقوَ على الحراك. تجمّدت، تلعثمت، وأرادت الانسحاب. رنّ الجرس مرة أخرى، أطول هذه المرة، كأن اليد التي تضغطه فقدت صبرها. لم أعد أملك رفاهية التردّد. فتحتُ الباب نصف فتحة، كمن يخشى أن يخرج معه شيء لا يستطيع إعادته. — نعم؟ قالها دون مقدمات، بصوت منخفض لكن حاسم: — يا أب رشيد، أنت في ورطة… يا أب رشيد، سوف تُسمّى أبًا من جديد. تجمّدت الكلمات في رأسي. لم أفهمها في البداية، أو ربما فهمتها ورفضت الاعتراف بذلك. قلت بحدّة لم أعرف من أين جاءت: — ماذا تقول؟ زوجتي ليست حاملًا. هل انتابك الجنون؟ أتهلوس؟ اذهب من هنا، ولا تقترب من هذا الباب مجددًا. اقترب خطوة، ثم توقّف. — إنها فتاة في الحانة. فتاة جديدة، لم تقرب أحدًا قبلك ولا بعدك. أغلقتُ الباب في وجهه، لا بعنف، بل بحذرٍ مبالغ فيه. أدرتُ ظهري للباب قبل أن أدير ظهري لكل شيء. لا أقوى على ردّة فعلها، ولا على وجهٍ قد يعلوه حزن أو اشمئزاز. رأيت صورتها على الجدار تناديني، تسألني: هل سنفتقد وجهك بعد اليوم؟ هل ستخبرها وتُخفي ابتسامتها المشرقة؟ أم ستُخفي الأمر كلّه؟ وإن جاءت الفتاة غدًا، ماذا ستفعل؟ كلا، لستُ أنا… قلتها بصوتٍ مسموع، لأقنع أذنيّ أنني بريء، وأنهم أرادوا سجني. عدتُ بخطواتي إلى الغرفة، خطوات جديدة لا تشبهني. اعتلاها العار ما إن فتحتُ الباب. نظرتُ إلى الغرفة، أو بوصف أدق، إلى حيث تنام زوجتي. لم أدخل. وقفتُ عند العتبة فقط. كانت مستلقية على جانبها، شعرها مبعثر على الوسادة، ملامحها هادئة. لا شيء فيها يوحي بأنها ستستيقظ بعد ساعات على عالمٍ مختلف. لم أقوى الإستلقاء بجانبها، فأنفاسها تلتقطها أذناي كعتاب يبلغني أنني أستحق الجزاء. لا أقوى الانفصال فقد بدأت حياتي معاها ما إن كنت شابا يهوى إبنة خالة، شاب إحتضنها في عرش الزوجية ما إن بلغت الرابعة عشرا. جلست على الكرسي القريب من الطاولة، وضعت رأسي بين يديّ. حاولت أن أسترجع تلك الليلة، لا لأتفاخر بها، بل لأفهم كيف تحولت إلى هذا. لم تكن علاقة، لم تكن حتى رغبة واضحة. كانت لحظة ضعف، لحظة سمحتُ فيها لنفسي أن أكون شخصًا آخر، شخصًا لا يحاسب نفسه. لحظة أردت أن أتبت فيها لنفسي أن هناك فتاة تريدني ان رغبت حسنائي في مغازلتي و إنتابها الملل مني بعد سبعة أولاد. فكيف اخترت فتاة الحانة لأسمى أبا؟ لم أعرف اسمها إلا في تلك الليلة، ولم أسأله ثانية. في الحانة، الأسماء لا تعني شيئًا. كل شيء هناك مؤقت، حتى الوجوه. قلت لنفسي إن الأمر انتهى بمجرد خروجي من الباب. لكن يبدو أن بعض الأبواب لا تُغلق كما نعتقد. مع اقتراب الصباح، بدأت الأسئلة تتزاحم. ماذا لو كانت تكذب؟ ماذا لو كانت الحقيقة أقسى من ذلك؟ وماذا عن زوجتي؟ هل يحق لي أن أدفن الأمر وأتابع حياتي، أم أن الصمت خيانة أخرى؟ حين أذّن الفجر، لم أصلِّ. بقيت جالسًا، أسمع الصوت من بعيد وأدرك أن شيئًا ما قد تغيّر إلى الأبد. حتى جاء رنين الجرس مرة أخرى… وهذه المرة، من فتاة الحانة نفسها.