وشاح عند بوابة القصر✨
لم أنسَ، ولن أنسى، ولا أرغب أن أنسى؛ فالنسيان خيانة للذاكرة، وأنا لستُ خائنًا مثلَها.
ما بين الهلال والصليب تُنسَج حكاية في مملكة يحكمها ملكٌ يُعرَف بطيبته ونخوته، وتُعرَف ابنته بجمالٍ ورقّةٍ ودهاء، حتى غدت أسطورتها على كل لسان في أميسا. كانت محبوبة الشعب؛ تزور المرضى، وتفتح أبواب التكايا، وتنسج خيوط العطاء كأنها شمس لا تغيب. ووالدها الملك أميغوس لم يكن أقلّ منها قربًا إلى الناس.
في أحد الأيام، حين رسمت الشمس لوحةً من الغيوم البيضاء كأنها قصيدة معلّقة في السماء، أتى وزير الوزراء، السيّد سيد، منحنياً أمام الملك:
– السيّد سيد: مولاي الملك أميغوس...
– أميغوس: ما الأمر يا سيد؟
– السيّد سيد: الفلاحون يرفضون دفع الضرائب، بحجة أنها تتضاعف مع الأيام حتى باتت أثقل من حصادهم.
– أميغوس: ومن هؤلاء الذين عصوا الأمر؟
– السيّد سيد: إنهم قبيلة السافاي يا مولاي.
– أميغوس: إذن، استدعِ غدًا رئيسهم، وسنرى ما الذي سيؤول إليه الأمر.
وعندما همَّ السيّد سيدٌ بالمغادرة، انفتحت أبواب القاعة، فدخلت فتاة بعينين عسليتين وشَعرٍ أسود منسدل، ترتدي فستانًا ورديًّا. تقدّمت بخطواتها نحو العرش، فنهض الملك لاستقبالها، ورسمت على وجهه ابتسامة حانية.
– أميغوس: أتاسيا… ابنتي الجميلة.
– أتاسيا: أبي، جئتُ أطلب منك أمرًا.
– أميغوس: تمني ما تشائين، وسأحققه لك.
– أتاسيا (بتردد): أبي… لقد وعدتُ إحدى فتيات المملكة أن أحضر زفافها.
– أميغوس (مندهشًا): أأنتِ؟! ألم تعلمي أن الأعداء يتربصون بك في كل مكان، وينتظرون الفرصة لينالوا منك كما فعلوا بأمك؟
– أتاسيا: لا تقلق يا أبي، لقد فكرتُ في كل شيء.
– أميغوس: وكيف ستذهبين؟ الجميع يعرف أنكِ الأميرة.
– أتاسيا: سأتنكر، وأضع وشاحًا على وجهي، ولن يتعرّف عليّ أحد.
– أميغوس: لكنكِ تدركين أن هذا قد لا يجدي نفعًا، أليس كذلك؟
– أتاسيا: لا تخف، يا أبي… الرب والروح القدس يحفظانني.
في قلب المملكة بدأت فعاليات حفل الزفاف؛ رقصٌ وغناءٌ وتصفيق يملأ الأرجاء. وعلى إحدى الطاولات جلست الأميرة، وقد غطّت وجهها بوشاح لم يُبقِ ظاهرًا سوى عينيها العسليتين ورموشها المنحنية كسيوفٍ دقيقة.
نهضت بخفة لتبارك للعروسين، ألقت عليهما التحية، ثم مالت نحو العروس وهمست بأنها الأميرة، طالبةً منها ألّا تفشي سرّها. وأخرجت من جيبها قلادة من اللؤلؤ والياقوت، ووضعتها على رأس العروس. عندها ارتمت العروس في حضنها شاكرة:
– العروس: أشكركِ لقدومكِ وهديتكِ يا سموّ الأميرة.
– أتاسيا: على الرحب والسعة. أتمنى أن تكون أيامكِ كحديقةٍ لا تذبل أزهارها.
ثم ودّعت الأميرةُ العروس وغادرت أجواء الحفل. وأثناء مرورها من بوابة القصر، لمحت شابًا قوي البنية، مفتول العضلات، ذا لحيةٍ خفيفة وشَعرٍ أسود قصير، وعينين خضراوين، يمتطي حصانًا أبيض. اقترب منها حتى بلغ البوابة، فنزل عن صهوة جواده وربطه إلى شجرةٍ قريبة.
تأمّلت أتاسيا ملامحه الوسيمة في صمت،
نطق الشاب الوسيم بنبرة صوت مميّزة لا تُشبه أحدًا:
– هل يكون الملك هنا في مثل هذه الأوقات؟
–قال الحارس: نعم
مضى الشاب بخطاه الواثقةوحين اقترب من البوابة، بادره أحد الحرّاس بالسؤال إن كان يريد مقابلة الملك. وقبل أن يجيبه، تقدمت منه أتاسيا وهمست بنبرة متوجّسة:
– من أنت؟
لم يلتفت إليها، بل ظلّ صامتًا، مما أثار حفيظة الحرّاس الذين همّوا بالاقتراب منه، غير أن الحارس الأكبر رفع صوته على وشك أن يقول شيئا قبل أن تشير اتاسيا له بأن يصمت و يكمل حديثه مع الرجل.
– مولاي الملك في القصر… من نبلّغه أنك؟
أجاب الشاب بثقة:
– أنا علي خان، ابن السيّد مصطفى، زعيم قبيلة السافاي.
عندها رمقته أتاسيا بنظرةٍ عابرة، وابتسمت، لكنه لم يبادلها الابتسامة. و بعد ما يوازي الدقيقة تقدّم الحرّاس يخبرونه:
– مولانا الملك بانتظارك.
أشاروا له بالدخول، ودلفت أتاسيا معه إلى الداخل. دخل علي خان القاعة، وقد أخذته الدهشة من فخامة جدرانها الموشّاة بالنقوش، وسقفها المزخرف بالذهب، وعينيه لا تفارق عرش الملك المكسوّ بالصفائح الذهبية، يلمع تحت أضواء المشاعل. مصاحب معه الغرابه من عدم سوال الحراس لاتاسيا اي اسئله والسماح لها بالدخول!.
وفي تلك اللحظة علا صوت الحارس عند المدخل:
– دستور… جلالة السلطان أميغوس!
فانحنى علي خان احترامًا، وانحنت أتاسيا معه. دخل الملك بخطوات مهيبة وجلس على عرشه المذهب، ثم رفع بصره نحو الشاب قائلاً بصوت جليل:
– من أنت؟ ولماذا تجرؤ على رفض دفع ضرائب المملكة؟
رفع علي خان رأسه وقال بثبات:
– أنا علي خان، ابن السيّد مصطفى، زعيم قبيلة السافاي، يا مولاي.
قطّب الملك حاجبيه، ثم أشار إلى أتاسيا بجانبه قائلاً:
ومن هذه الفتاة التي معك؟
نظر علي للملك وأجاب:
– ليست معي، ولا أعرفها يا جلالة الملك.
نظر الملك نظره وقال بصرامة:
– أتجرؤ على الدخول إلى قصري برفقة مجهولة؟ ألا تعلم أن هذا جرم في شرائع المملكة؟
عندها أزالت أتاسيا الوشاح عن وجهها، فانكشف جمالها، فتجمّد علي خان في مكانه مذهولًا، غير أن نظرته لم تدم طويلًا. تقدمت الأميرة خطوة وقالت:
– أبي.....
اعتدل الملك في مجلسه ونظر إليها بحدة:
– أتاسيا! ماذا تفعلين هنا؟
خفضت رأسها وقالت بنبرة وديعة:
– غادرت الحفل مبكرا و قلت لأمر اليك.
تنهد الملك وقال:
– حسنًا، لقد فعلتِ خيرًا بعودتك إليّ….
ثم التفت مجددًا إلى علي خان، وغيّر نبرة صوته إلى لغة الملوك مخاطبًا إياه:
– أيها الشاب… إن قبيلتك مدينة للمملكة بالضرائب. هذه الضرائب ليست جزيةً ولا عبثًا، بل عهد بيننا وبين رعايانا. بفضلها نحميكم، ونبني الطرق، ونؤمّن الغذاء للجميع. فكيف ترفضون أداء ما عليكم؟!
وقف علي خان شامخًا وقال:
– يا مولاي السلطان، قبيلة السافاي لم تعتد أن تتأخر في عهد أو تخون ميثاقًا. لكن الضرائب أثقلت كواهل الفقراء، وصاروا يبيعون قوتهم ليؤدّوا ما كُتب عليهم.
ارتفع صوت الملك من جديد:
– إن كان في الأمر ظلم، فنحن نُقوّم، وإن كان فيكم من يتهاون، فنحن نعاقب. لن تقوم المملكة إلا بالعدل، ولن يسود العدل إلا بالطاعه.
قال علي خان وهو يقف أمام الملك:
– الضرائب يا مولاي بدأت ترتفع، وكلما ازدادت صعُب علينا أداؤها، خاصةً مع اقتراب الشتاء الذي يقيّد أرزاقنا.
فأجابه الملك أميغوس بنبرة صارمة:
– وكم تدفع قبيلة السافاي شهريًا؟
– ندفع ألفًا وخمسمئة جنيه، يا مولاي.
قطّب الملك حاجبيه وقال:
– لكن الضريبة المفروضة على سائر القبائل لا تتجاوز الألف.
تنفّس علي خان بعمق ثم قال:
– قبل ثلاثة أشهر، أرسل وزير الوزراء رجاله ليخبرونا بأن الضريبة ارتفعت من ألف إلى ألف وخمسمئة. وقد تعجبنا، فنحن لم نكن نتوقع أن تُفرَض علينا زيادة كهذه من ملكٍ عُرف بالطيبة والنخوة.
ساد القاعة صمت ثقيل، ثم سأله الملك:
– ولماذا لم يحضر والدك؟
– والدي في سفرٍ لبيع بعض المحاصيل ليسدّد ما على القبيلة من ضرائب، فجئتُ بدلاً عنه.
أشار الملك بيده آمراً:
– انتظر خارج القاعة.
انحنى علي خان وغادر، ولحقته أتاسيا بخطواتها. عند باب القاعة، توقّف علي خان، وانحنى محييًا وقال:
– اعذريني يا أميرة… لم أعرفك من قبل.
ابتسمت أتاسيا ابتسامة رقيقة وأجابت:
– ليست مشكلة.